اختار المغرب ومصر إعادة ضبط بوصلة علاقاتهما الثنائية، عبر إطلاق دينامية سياسية واقتصادية جديدة، توجت بانعقاد الدورة الأولى للجنة التنسيق والمتابعة على مستوى رئيسي الحكومتين، في خطوة تعكس تحولا نوعيا من منطق تدبير الخلافات إلى بناء شراكة استراتيجية متعددة المستويات.
الزيارة التي يقوم بها رئيس الحكومة عزيز أخنوش إلى القاهرة لم تكن مجرد محطة دبلوماسية عادية، بل شكلت لحظة سياسية مفصلية لإعادة ترتيب العلاقات بين الرباط والقاهرة، بعد فترة من التوتر غير المعلن، خاصة على مستوى المبادلات التجارية والتوازنات الاقتصادية.
لجنة مشتركة تؤسس لمرحلة ما بعد الفتور
ليس تفصيلا بروتوكوليا أن تنعقد لأول مرة لجنة التنسيق والمتابعة المغربية المصرية على مستوى رئيسي الحكومتين، بل إن ذلك يحمل دلالة سياسية واضحة مفادها أن البلدين قررا نقل العلاقة من مستوى النوايا العامة إلى مستوى الآليات المؤسساتية الملزمة. فهذه اللجنة، التي جرى التحضير لها عبر اجتماع موسع شاركت فيه أزيد من 50 وزارة وجهة من الطرفين، تعكس إرادة مشتركة لتجاوز منطق التدبير القطاعي المعزول، وتعويضه بمنهجية شمولية تجعل من التعاون الثنائي ورشا حكوميا مندمجا، قابلا للتتبع والتقييم والتنفيذ.
وتنبع أهمية هذه الآلية أيضا من كونها جاءت في أعقاب مرحلة اتسمت بوجود فتور صامت في بعض أوجه العلاقة، خاصة في بعدها الاقتصادي، حيث برزت اختلالات في انسيابية المبادلات وظهرت توترات مرتبطة بولوج بعض المنتجات إلى الأسواق.
ومن ثم، فإن الانتقال إلى لجنة من هذا المستوى لا يعني فقط الرغبة في التنسيق، بل يعني قبل ذلك بناء مظلة سياسية عليا لاحتواء الخلافات قبل تحولها إلى أعطاب بنيوية، وإعادة توجيه العلاقة نحو منطق الشراكة بدل منطق الحذر المتبادل.
بوريطة وعبد العاطي.. تنسيق سياسي يتجاوز المجاملة الدبلوماسية
المباحثات التي جمعت ناصر بوريطة بنظيره المصري بدر عبد العاطي حملت، في ظاهرها، تأكيدا على عمق العلاقات الأخوية بين البلدين، لكنها في جوهرها كانت أعمق من مجرد لغة دبلوماسية مألوفة. فقد جاء هذا اللقاء في سياق إقليمي شديد الحساسية، يتسم بتصاعد التوتر العسكري في الشرق الأوسط، وتفاقم القلق بشأن فلسطين، إلى جانب تفاقم الأوضاع في السودان وليبيا، وهو ما جعل التنسيق السياسي بين الرباط والقاهرة يتخذ طابعا وظيفيا واستراتيجيا في الآن نفسه.
فالمغرب ومصر لا يتحركان هنا فقط انطلاقا من اعتبارات ثنائية، بل أيضا من إدراك مشترك بأن البيئة العربية والإفريقية تشهد درجة عالية من السيولة وعدم اليقين، وأن الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن الإقليمي يقتضي تشاورا أعمق بين العواصم العربية المركزية. ولذلك، فإن الحديث عن “مواصلة التنسيق والتشاور” في القضايا الإقليمية لا ينبغي قراءته باعتباره عبارة إنشائية، بل باعتباره مؤشرا على محاولة بناء أرضية سياسية مشتركة إزاء ملفات أصبحت تمس الأمن الجماعي العربي والإفريقي، من أمن الطاقة إلى استقرار طرق التجارة، ومن مآلات الحروب المفتوحة إلى مستقبل العمل العربي المشترك.
ما بعد الأزمة التجارية.. من منطق الاحتكاك إلى منطق التكامل
من الصعب فهم الزخم الذي طبع هذه الزيارة دون استحضار الخلفية الاقتصادية للعلاقة بين البلدين خلال المرحلة الماضية. فقد عرفت المبادلات المغربية المصرية لحظات توتر واضحة، تغذت من إحساس متبادل بوجود اختلالات في الميزان التجاري ومن شكاوى مرتبطة بصعوبات الولوج إلى الأسواق، ما ألقى بظلاله على المناخ العام للعلاقة الثنائية. غير أن المعطيات الجديدة توحي بأن الرباط والقاهرة حسمتا أمرهما في الانتقال من منطق معالجة الأعطاب الظرفية إلى منطق بناء تكامل اقتصادي طويل النفس.
ويتجلى ذلك بوضوح في تعدد القطاعات التي شملتها الاتفاقيات الموقعة، وفي طبيعة اللغة التي صاحبتها، حيث لم يعد الحديث مقتصرا على تبادل تجاري تقليدي، بل صار يدور حول “التكامل”، و”توحيد الجهود”، و”تشجيع المشاريع الاستثمارية المتبادلة”، و”إنشاء نماذج تعاون قابلة للاحتذاء عربيا”. وهذه العبارات تكشف أن الأمر يتعلق بمحاولة إعادة تعريف العلاقة الاقتصادية بين البلدين، ليس على أساس التنافس داخل الأسواق العربية والإفريقية، بل على أساس بناء سلاسل تعاون تسمح لكل طرف بالاستفادة من المزايا النسبية للطرف الآخر.
الفلاحة والأمن الغذائي.. مجال واعد لإنتاج التكامل العربي
ضمن أكثر المجالات التي كشفت عن تحول نوعي في الرؤية المشتركة، يبرز القطاع الفلاحي باعتباره واحدا من أبرز رهانات التكامل بين البلدين. فاللقاء الذي جمع وزير الزراعة المصري علاء فاروق بوزير الفلاحة المغربي أحمد البواري لم يقتصر على بحث سبل تعميق التعاون الفني، بل انفتح على أسئلة أكبر تتعلق بالأمن الغذائي، وتطوير سلاسل القيمة، وتبادل التقنيات الزراعية، والرقمنة، وتيسير التجارة البينية عبر تحديث مساطر الصحة النباتية والحجر الزراعي.
وفي هذا الإطار، تبدو الفكرة المركزية التي تحكم هذا المسار هي الجمع بين خبرات مصر الزراعية والإنتاجية، وبين ما راكمه المغرب من تجربة في مجالات التثمين والتصنيع والاقتصاد الأزرق، بما يسمح بإنتاج نموذج عربي للتعاون الزراعي يتجاوز الخطابات العامة. وتزداد أهمية هذا التوجه في ظرفية عالمية تتسم باضطراب الإمدادات، وارتفاع كلفة المدخلات، وتصاعد المخاطر المناخية، بما يجعل التعاون في مجال البذور المقاومة وتقنيات الري وتطوير سلاسل الإنتاج ليس مجرد خيار اقتصادي، بل ضرورة استراتيجية تمليها التحديات الجديدة.
الطاقة والكهرباء.. شراكة في قلب التحولات الدولية
إذا كانت الطاقة قد تحولت في السنوات الأخيرة إلى عنصر حاسم في إعادة تشكيل العلاقات الدولية، فإن إدراج الكهرباء والطاقات الجديدة والمتجددة ضمن رزمة الاتفاقيات المغربية المصرية يكشف عن وعي متقدم لدى البلدين بطبيعة المرحلة. فالمغرب، الذي راكم خبرة معتبرة في الطاقات المتجددة، ومصر، التي تبحث عن توسيع شراكاتها في مجالات الطاقة والبنية التحتية، يبدوان بصدد فتح مسار تعاون يقوم على تبادل الخبرات والدعم الفني والاستشاري والتكوين.
وهذا التوجه لا ينفصل عن التحولات الكبرى التي يعرفها العالم في مجال الانتقال الطاقي، ولا عن الحاجة العربية إلى بناء حد أدنى من التعاون في هذا القطاع الحيوي الذي لم يعد مجرد ملف تقني، بل أصبح مسألة سيادة وتنمية واستقرار. ومن هنا فإن أي تعاون مغربي مصري في هذا المجال يكتسب بعدا استراتيجيا يتجاوز حدوده الثنائية، لأنه يعكس محاولة للتموقع في سوق إقليمية ودولية شديدة التنافسية.
الشباب والثقافة.. القوة الناعمة تدخل على خط إعادة التوازن
الزيارة لم تُختزل في الأبعاد السياسية والاقتصادية الصلبة، بل أظهرت أيضا اهتماما واضحا بما يمكن تسميته بالبنية الرمزية للعلاقة الثنائية. فلقاءات محمد المهدي بنسعيد مع وزيري الشباب والرياضة والثقافة في مصر أظهرت أن الرباط والقاهرة تدركان أن استدامة أي تقارب سياسي أو اقتصادي تمر أيضا عبر تقوية الجسور الثقافية والشبابية.
وفي هذا الإطار، برزت ملفات ترميم التراث، والإنتاج الثقافي المشترك، وتبادل الخبرات في الصناعات الإبداعية، وتيسير مشاركة الفاعلين الثقافيين في التظاهرات الكبرى، باعتبارها أدوات لإعادة تنشيط البعد الحضاري للعلاقة. كما أن التعاون في مجال الشباب، من خلال تبادل نماذج تسيير مراكز التكوين والابتكار ودعم المبادرات والشركات الناشئة، يشي برغبة في جعل الأجيال الجديدة طرفا في هذه الشراكة، لا مجرد متلق سلبي لنتائجها.
إن هذا البعد مهم، لأنه يعيد التوازن إلى العلاقات الثنائية التي غالبا ما تُختزل في الأرقام والاتفاقيات الرسمية، بينما تحتاج، لكي تصمد، إلى روافع اجتماعية وثقافية قادرة على تجذيرها في الوعي العام وفي النخب الصاعدة.
الاستثمار والصناعة.. انتقال من تبادل محدود إلى شراكة إنتاجية
الشق الصناعي والاستثماري ضمن أجندة الزيارة يعكس بدوره تحولا مهما في تصور البلدين لطبيعة التعاون الممكن بينهما. فالاتفاق الموقع في المجال الصناعي لا يطرح فقط مبدأ التعاون، بل يذهب نحو فكرة توحيد الجهود لتطوير القطاع في كلا البلدين، بما يعني أن الرهان لم يعد مقتصرا على رفع حجم المبادلات، بل يتجه نحو إنتاج شراكات تصنيع وتثمين ذات قيمة مضافة.
كما أن مذكرة التفاهم بين الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات والهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة بمصر تؤشر على رغبة مشتركة في بناء قناة مؤسساتية مباشرة لتشجيع الاستثمارات المتبادلة وتبادل الوفود والخبرات. وهي خطوة تحمل دلالة مهمة، لأن الاستثمار المشترك يمثل عادة مؤشرا أعلى من مجرد التبادل التجاري، إذ يعكس منسوبا أكبر من الثقة، ورغبة في تقاسم المخاطر والعوائد على المدى المتوسط والطويل.
الصحة والسياحة والإسكان.. توسيع الشراكة إلى القطاعات ذات الأثر المجتمعي
من اللافت أيضا أن الدينامية الجديدة لم تقتصر على القطاعات ذات الطابع الاستراتيجي الصرف، بل شملت قطاعات تمس الحياة اليومية للمواطنين ولها أثر مباشر على الاقتصاد والمجتمع، مثل الصحة، والسياحة، والإسكان والتنمية العمرانية. ففي المجال الصحي، جرى توقيع بروتوكول يفتح الباب أمام تعاون في الأدوية والمستحضرات الطبية والتسيير الاستشفائي والخدمات الصحية والطب الاستعجالي، فضلا عن تبادل التجارب المتعلقة بالأورام وسرطان الأطفال. وهذا يعكس توجها نحو الاستفادة المتبادلة من الخبرات الوطنية في مجال أصبحت فيه السيادة الصحية جزءا من الأمن الوطني.
أما في السياحة، فقد تم وضع أسس تعاون يقوم على الترويج المشترك وتبادل المواد الدعائية والإحصاءات والخبرات الفندقية، بما قد يسمح مستقبلا بإنتاج عرض سياحي تكاملي يستفيد من جاذبية البلدين. وفي مجال الإسكان، يفتح الاتفاق الموقع آفاقا لتبادل الخبرات الفنية والإدارية وجلب المستثمرين وتطوير مشاريع مرتبطة بالبنيات التحتية والعمران، بما يمنح العلاقة الثنائية بعدا أكثر تجذرا في السياسات العمومية القطاعية.
الرمزية السياسية للزيارة.. إرادة في تجاوز الاختبار الإقليمي
تكتسب هذه الزيارة أهميتها أيضا من توقيتها. فهي لا تتم في ظرف عادي، بل في سياق إقليمي يتسم باضطراب حاد، وبإعادة رسم خرائط الاصطفاف والمصالح. لذلك فإن مجرد انعقاد هذه الدورة الأولى للجنة التنسيق والمتابعة، وبهذا الحجم من التمثيل والاتفاقيات، يحمل رسالة مفادها أن البلدين اختارا الرهان على الشراكة في زمن الاضطراب، وعلى بناء مساحات تعاون في لحظة يغلب عليها منطق التوجس والانكفاء.
كما أن الإشارة المتكررة من الجانبين إلى توجيهات الملك محمد السادس والرئيس عبد الفتاح السيسي تؤكد أن الأمر لا يتعلق فقط بحركية وزارية أو تقنية، بل بقرار سياسي من أعلى مستوى لإعطاء دفعة جديدة للعلاقات، ورفعها من مستوى العلاقة التقليدية بين دولتين عربيتين إلى مستوى شراكة تتوخى إنتاج أثر سياسي واقتصادي وإقليمي أوضح.