في قلب النقاش الدائر حول مشروع بناء ملعب “الحسن الثاني” بمدينة بنسليمان، يتجاوز الجدل كونه ورشاً رياضياً ضخماً، ليتحول إلى ملف اقتصادي مركب تتداخل فيه اعتبارات الكلفة، الجدوى، والاستدامة.
وفي تصريحات خاصة لموقع “فبراير”، قدم خبراء اقتصاديون ومحللون قراءات متباينة تحاول فك شفرات هذا المشروع الذي يراهن عليه المغرب لاحتضان نهائي مونديال 2030.
هواجس الكلفة وسيناريو “الفيل الأبيض”
يضع المحلل الاقتصادي ياسين عليا أولى علامات الاستفهام حول الكلفة المالية؛ ففي تصريحه لـ”فبراير”، يرى عليا أن الأرقام المتداولة (بين 5 و10 مليارات درهم) تظل منخفضة ومرشحة للارتفاع بشكل كبير مع تقدم الأشغال، تماماً كما تُظهر التجارب الدولية.
ويستند عليا في تحليله إلى مقارنات مع ملاعب إسبانية منافسة؛ حيث بلغت تكلفة تحديث “كامب نو” نحو 1.45 مليار يورو (حوالي 15 مليار درهم)، وتجاوز “سانتياغو برنابيو” 1.3 مليار يورو. هذه المعطيات تطرح تساؤلات جدية حول واقعية الميزانية المرصودة لملعب بنسليمان بالنظر إلى حجمه وطموحه.
ويرى عليا أن الدراسات المرتبطة بالتظاهرات الكبرى لا تُثبت دائماً مردودية اقتصادية قوية، مستشهداً بمونديال البرازيل 2014 حيث لم يتجاوز التأثير في الناتج الداخلي الخام 0.1%، مقابل آثار تضخمية موازية. وحذر الخبير الاقتصادي من سيناريو “الفيل الأبيض” (منشأة ضخمة بتكاليف صيانة باهظة ومردودية ضئيلة)، معتبراً أن اختيار الموقع يطرح تحدياً في استقطاب الجماهير بعد انتهاء المونديال، وداعياً إلى توزيع الاستثمارات بشكل أكثر توازناً مجالياً لتفادي “التشبع” في محور الرباط-الدار البيضاء.
دينامية لوجستية وأثر عابر للرياضة
في المقابل، يقدم الخبير الاقتصادي يوسف أوخلو قراءة أكثر تفاؤلاً وتركيباً؛ إذ يرى أن المشروع لا ينبغي اختزاله في “بناء مدرجات”، بل كجزء من دينامية استثمارية شاملة. وأوضح أوخلو لـ”فبراير” أن الميزانية المرصودة تشمل حزمة مشاريع مرافقة، تهم تعزيز الشبكة الطرقية وتوسيع الطرق السيارة وتأهيل محاور حيوية (تيط مليل، برشيد، عين حرودة)، مما يجعله مجهوداً استثمارياً متكاملاً.
ويشدد أوخلو على أن تقييم المشروع يقاس بقدرته على تحسين “النجاعة اللوجستية” في محور استراتيجي ينتج جزءاً كبيراً من الثروة الوطنية، مؤكداً أن الاستثمار في بنية تحتية لوجستية في منطقة بنسليمان سيعزز تنافسية المقاولات المصدرة عبر ميناء الدار البيضاء ويقلص تكاليف التنقل.
وربط أوخلو نجاح الورش بضرورة اعتماد “حكامة فعالة” تضمن الشفافية وتفادي انزلاقات الكلفة، مقترحاً رؤية “ذكية” لتثمين الملعب بعد المونديال عبر تحويله إلى منظومة اقتصادية تحتضن المعارض والندوات الكبرى والتظاهرات الدولية، لضمان استمرارية إنتاج القيمة المضافة.
الرمزية الدولية وتحديات الاستغلال
من جهتهم، أبرز محللون في الشأن الرياضي لـ”فبراير” البعد الرمزي للمشروع كعامل جذب دولي سياحي وإعلامي، إلا أنهم أقروا بأن التحدي الحقيقي يكمن في “نموذج الاستغلال”. فبينما تعتمد الملاعب الأوروبية على “السياحة الرياضية”، يظل الشغف المحلي هو المحرك الأساسي في المغرب، مما يفرض ابتكار صيغ جديدة لجذب المستشهرين، وتنظيم دوريات دولية ودية، وضمان استقرار البرمجة المحلية لرفع القيمة التسويقية للمنتوج الكروي.
خلاصة
تجمع هذه القراءات المتقاطعة على أن ملعب “الحسن الثاني” يقف عند تقاطع الطموح الرياضي والحسابات الاقتصادية الدقيقة. وبينما يمثل فرصة لإعادة تشكيل الخريطة التنموية للمنطقة، يظل نجاحه رهيناً بالقدرة على الانتقال من منطق “الحدث العابر” إلى منطق “الاستدامة الاقتصادية” طويلة الأمد.