ساعف: السياسات الثقافية بالمغرب تعيش مفارقة بين “الموقع الاستراتيجي” وهزالة الإمكانيات
يرى الأستاذ عبد الله ساعف، رئيس مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية والوزير السابق، أن الثقافة في المغرب المعاصر قد تجاوزت حدود “الترف الفكري” لتصبح مكوناً بنيوياً في صلب العملية التنموية. وينطلق ساعف في قراءته من اعتبار الثقافة “عاملاً مساهماً” تاريخياً منذ معارك التحرير والبناء الوطني، مؤكداً أن دورها اليوم يكتسي صبغة مفصلية تتجاوز التصورات التقليدية التي كانت تحصرها في زوايا ضيقة خلال عقود سابقة.
وفي مقارنة تحليلية، يسجل ساعف تحولاً جذرياً في بنية المشهد الثقافي بين حقبتي السبعينات والثمانينات وبين الواقع الراهن. فالمؤشرات الإحصائية اليوم حول أعداد القراء والمبدعين، وطرق استهلاك المادة الثقافية، تكشف عن تغير عميق في الهوية الهيكلية للحقل الثقافي، وهو التغير الذي غذّته بقوة “الثقافة الرقمية” التي أعادت رسم الخريطة الثقافية المغربية بشكل جذري، مما يفرض ضرورة تكييف السياسات العمومية مع هذه المعطيات الجديدة.
وضمن رؤية منهجية شاملة، يصنف ساعف السياسات العمومية في المملكة إلى أربع كتل كبرى تضمن الانسجام والسيادة: سياسات التماسك الاجتماعي (تعليم، صحة، سكن)، المسألة الأمنية، الحكامة والقضاء، ثم السياسات الثقافية. ويشدد المتحدث على أن موقع السياسة الثقافية يظل “حساساً ومحورياً” ضمن هذه المنظومة، فهي ليست مجرد قطاع قطاعي معزول، بل هي الرافعة التي تمنح للنموذج التنموي عمقه القيمي وهويته الاستراتيجية.
بيد أن هذه الأهمية “النظرية” تصطدم، حسب ساعف، بواقع يتسم بفجوة كبيرة على مستوى الممارسة؛ إذ يسجل بمرارة أن الوسائل المادية والإمكانيات المرصودة لقطاع الثقافة منذ سنوات طويلة لا ترقى أبداً إلى مستوى الموقع الحساس الذي يتبوأه في هندسة السياسات العمومية. ويخلص ساعف إلى أن الرهان اليوم يكمن في رأب هذا الصدع، عبر منح الثقافة الموارد التي تستحقها لتمكينها من لعب دورها الحقيقي كقاطرة للتحديث والتماسك الوطني.