صيف الصحراويين رحلةُ حنين من “جدران الإسمنت” إلى رحابة “البادية”
مع اشتداد حرارة الصيف في حواضر الصحراء المغربية، وبينما تتجه الأنظار نحو الشواطئ والمنتجعات الاصطناعية، تختار آلاف العائلات الصحراوية “الهجرة العكسية” نحو عمق البادية، حيث الفضاء الفسيح، وحياة “الفريك” (المخيم)، والعودة إلى الجذور التي لم تفتنها مدنية الإسمنت.
العطلة في البادية بالنسبة للصحراويين طقس سنوي لاستعادة التوازن النفسي.،ففي مناطق مثل “لمسيد”، “أمغالا”، أو ضواحي “أوسرد”، تنصب خيام الشعر والوبر، وتتحول الفيافي إلى تجمعات عائلية كبرى تعيد إحياء تقاليد التكافل والسمر تحت ضوء القمر.
يقول سيدي إبراهيم (65 عاماً)، وهو رب أسرة اعتاد قضاء صيفه في البادية: “المدينة بسجونها الإسمنتية تخنق الروح. هنا في البادية، نجد ذواتنا. ليس هناك أجمل من الاستيقاظ على رغوة ‘الرغوة’ (حليب الإبل الطازج) ونسمة الصباح العليلة التي لا تضاهيها برودة أعتى المكيفات. نحن أبناء هذه الأرض، والحنين إليها يسري في دمنا مسرى الماء في العروق”.
في البادية، يتغير الإيقاع الزمني والغذائي؛ حيث تتربع “الخيمة” كمركز للكون، ويصبح إعداد الشاي الصحراوي (أتاي) بطقوسه الثلاثة “الجيم والجر والجمعة” هو النشاط الرئيسي الذي يجمع الصغير والكبير. كما يحرص المصطافون في البادية على تناول الوجبات التقليدية مثل “العيش” و”البلغمان” ولحم الإبل المشوي على الجمر، وهي أطباق يرى الكثيرون أنها “تطهر” الجسد من سموم الأغذية العصرية.
توضح السالكة (38 عاماً)، وهي مولطنة صحراوية فضلت قضاء عطلتها مع أطفالها في “الفريك”: “يهمني جداً أن يربط أبنائي صلتهم بالبادية، في المدينة، يقضون نهارهم خلف الشاشات، لكن هنا يتعلمون كيف يعقلون الإبل، وكيف يتم نسيج الخيمة، ويتعرفون على أسماء النباتات والنجوم. البادية هي مدرستنا الأولى وملاذنا الآمن من صخب الحياة الرقمية”.
ويرى باحثون في التراث الحساني أن هذا التوجه نحو البادية يمثل نوعاً من “المقاومة الثقافية” للحفاظ على الهوية البدوية في وجه الزحف الحضري. كما أنها تشكل “سياحة إيكولوجية” عفوية تساهم في إنعاش الاقتصاد القروي البسيط في تلك المناطق.
ويؤكد لغظف، وهو شاب في الثلاثينيات من عمره: “قد يظن البعض أن البادية حارة، لكن الحقيقة أن الهواء في الخلاء منساب ومنعش، خاصة في المساء فيما يعرف بـ ‘الكايلة’ و’الرواح’. هنا نتمتع بـ ‘الخلوة’ والسكينة التي تفتقدها كبرى الفنادق المصنفة. إنه ‘ديتوكس’ طبيعي للروح والجسد قبل العودة إلى ضغوط العمل في المدينة”.
تظل البادية الصحراوية، رغم قساوة تضاريسها أحياناً، هي الحضن الدافئ الذي يفر إليه الصحراويون كلما ضاقت بهم دروب المدن، مؤكدين أن “الخيمة” ستظل دائماً رمزاً للحرية، وأن “نهر الذكريات” ينساب دائماً نحو المنبع؛ نحو الأرض والرمال وصمت الصحراء المهيب.