أكد إدريس اليزمي، رئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج، أن العالم اليوم يعاني من “انقسام هوياتي” حاد يدفع بالعديد من المجتمعات نحو الانغلاق على الذات. وأوضح اليزمي أن الجالية المغربية المقيمة بالخارج استطاعت، بفضل قدرتها الفريدة على تدبير التعدد الثقافي، أن تقدم “نموذجاً للحل” يتجاوز الصراعات الهوياتية الضيقة.

أوضح اليزمي أن الجيل الجديد من المهاجرين المغاربة أثبت قدرة استثنائية على “تدبير الهويات المتعددة” بنجاح. فهم لا يعيشون حالة من التيه بين ثقافة الأصل ومجتمع الإقامة، بل نجحوا في بناء جسور متينة تربط بين المجتمع الذي ولدوا وكبروا فيه وبين جذورهم المغربية الأصيلة.

واعتبر رئيس مجلس الجالية أن هذا النجاح في الجمع بين الانتماءات ليس مجرد صدفة، بل هو قدرة واعية على الحفاظ على علاقات قوية مع الأصل مع الاندماج الفعال في مجتمعات الإقامة، مما يجعل منهم “سفراء للحوار” في عالم يتجه نحو الاستقطاب.

وفي سياق حديثه عن تجليات هذا التميز الهوياتي، استشهد اليزمي بالروائية سميرة العياشي، ابنة أحد عمال المناجم المغاربة في شمال فرنسا. وأشار إلى أن العياشي استطاعت عبر رواياتها أن تنقل ببراعة حياة والدها وتاريخ المهاجرين، محولةً تجربة “الهامش” إلى متن أدبي رفيع يربط الذاكرة المغربية بالواقع الفرنسي.

وأضاف اليزمي أن الأدب المغربي في المهجر لم يعد يكتب بلغة واحدة، بل صار يكتب بالعربية والفرنسية والألمانية والإسبانية وغيرها. هذا التعدد اللغوي، بحسب اليزمي، يغني الأدب في دول الإقامة ويمنحه نفساً جديداً، وفي الوقت ذاته، يثري الرصيد الثقافي والادبي المغربي، مما يجعل الإبداع المغربي عابراً للحدود واللغات.

وخلص اليزمي في مداخلته إلى أن تجربة مغاربة العالم تثبت أن الهوية ليست “قالباً جامداً” يدفع نحو الانعزال، بل هي “فعل بناء مستمر” يغتني بالتفاعل مع الآخر. ودعا إلى ضرورة الاعتزاز بهذا النموذج المغربي الذي يبرهن للعالم أن التمسك بالجذور هو أكبر حافز للانفتاح العالمي، وأن “مغاربة العالم” هم اليوم في طليعة القوى الناعمة التي تعيد تشكيل مفاهيم الهوية والمواطنة في القرن الحادي والعشرين.

أكد السيد محمد مهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، أن مهرجان “كناوة وموسيقى العالم” بالصويرة لم يعد مجرد تظاهرة فنية عابرة، بل تحول إلى نموذج متكامل للصناعة الثقافية الناجحة التي تخدم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مشدداً على الدور الجوهري للمهرجان في حماية تراث “كناوة” وربطه بالثقافات العالمية.

وفي قراءة بلغة الأرقام، كشف الوزير بنسعيد عن نتائج دراسة اقتصادية دقيقة، أظهرت أن القيمة المضافة للمهرجان على اقتصاد مدينة الصويرة تتجاوز كل التوقعات. وأوضح بنسعيد أن “كل درهم واحد يتم استثماره في هذا المهرجان، يعود على المدينة بأرباح تتراوح ما بين 16 و17 درهماً”.

واعتبر الوزير أن هذا “العائد الاستثماري” القوي هو الذي يخلق فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة لسكان المنطقة، مؤكداً أن الصناعة الثقافية هي “البديل الحقيقي” والفعال لمواجهة الإشكاليات الاجتماعية، خاصة في ظل التحولات التكنولوجية الكبرى التي باتت تهدد الصناعات التقليدية الأخرى.

وأشار بنسعيد إلى أن العالم يعيش اليوم طفرة تكنولوجية (في إشارة للذكاء الاصطناعي وغيره) تؤثر على مختلف القطاعات، وهنا تبرز أهمية الصناعات الثقافية كـ “بريد مباشر” لتقوية الاقتصاد الوطني. وأضاف: “نطمح لتعميم هذا النموذج الناجح الذي أرسته الصويرة على مختلف جهات وأقاليم المملكة، ليكون الفن قاطرة للتنمية المجالية”.

ولم يفت الوزير التأكيد على الدور “الاجتماعي والفكري” للمهرجان، مشيراً إلى أن اللقاءات التي تنظم على هامشه، مثل منتدى حقوق الإنسان، هي فرصة لا غنى عنها للتواصل مع الجمهور والشخصيات الفكرية والجمعوية.

وقال بنسعيد: “تحدثنا اليوم عن قضايا حيوية تهم المجتمع، وعلى رأسها قضية الشباب وعلاقتهم بالحرية، التراث، والمستقبل”. واعتبر أن قدرة المهرجان على فتح نقاشات رصينة حول هذه القضايا تثبت أنه منصة متكاملة لا تكتفي بالإمتاع الفني، بل تساهم في تطوير العلاقات الإنسانية والوعي الجماعي.

وخلص وزير الثقافة إلى أن حماية تراث “كناوة” والاعتزاز به كجزء لا يتجزأ من الهوية المغربية هو ما منح الصويرة هذا الإشعاع العالمي، مؤكداً أن المهرجان سيواصل دوره كجسر يربط المغرب بمختلف ثقافات العالم، مع الالتزام بتطوير آليات اشتغاله ليكون دائماً في خدمة التنمية المستدامة والشباب المغربي.

السمات ذات صلة

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store