بين أزقة الصويرة المثقلة برائحة الملح وتجاعيد التاريخ، وحيث تمتزج ترانيم “كناوة” برذاذ المحيط، صادفنا المخرجة زكية الطاهيري الشاهدة على جمال المدينة ووجعها. مخرجة خلف الكاميرا، صائدة مشاعر، تفتش عن “الإنسان” في تفاصيل الهامش، وتصنع من الصورة لغة تتجاوز حدود الكلام.

سينما الحواس.. ما وراء العدسة

في حديث يفيض بالصدق، تأخذنا زكية الطاهيري إلى كواليس رؤيتها الفنية؛ فهي لا تصنع أفلاماً لتُشاهد فحسب، بل لتُحس. تقول الطاهري إن هاجسها الأكبر هو “الحب” و”الانتصار للحرية”. بالنسبة لها، الإخراج ليس ترفاً تقنياً، بل هو غوص في “الانتيميتي” أو الحميمية البشرية. هي لا تكتفي بتصوير صياد يبيع السمك، بل تريد أن تنقل للمشاهد ملوحة البحر وهي تجرح يديه، وحرقة الملح وهي تخدش وجهه. إنها تبحث عن الصدق في صلاة أرملة لم تجد دموعاً لتبكي، وفي نظرة معلم “كناوي” يغمض عينيه ليفتح قلبه على ملكوت آخر.

معركة الهوية.. الانتصار للقلب على اللسان

لم يكن طريق الطاهيري مفروشاً بالورود؛ فقد كشفت بمرارة ممزوجة بالفخر عن ضريبة “الاختلاف”. بقلب مغربي وقالب لغوي فرنسي، واجهت في بداياتها نوعاً من “الحقرة” والتهميش لأن لسانها لم يكن يطاوع عروبتها. حكت عن “عصا” الفقيه التي لم تحببها في اللغة، لكنها أكدت أن “العين” و”القلب” كانا بوابتها الأصدق نحو مغربها.

“قد تملكون حظ الحديث بالعربية، لكنني أملك حظ الرؤية بالقلب”، بهذه العبارة لخصت زكية معركتها. هي التي عادت من فرنسا لتثبت أن “المغربية” ليست مجرد لغة، بل هي إحساس بالانتماء، وهي استنشاق لروائح أزقة طنجة وزاكورة والدار البيضاء، وانصهار في “الكنوز البشرية” التي يزخر بها الوطن.

الصويرة ومصطفى باقبو.. وداع يليق بالمعلم

وفي لحظة وفاء مؤثرة، توقفت الطاهري عند مهرجان الصويرة، معتبرة إياه فضاءً للحرية والمساواة. وبصوت متهدج، استحضرت طيف المعلم الراحل مصطفى باقبو، واصفة إياه بالطاقة التي لا تنطفئ. فيلمها القصير عن “كناوة” لم يكن مجرد توثيق، بل كان محاولة لخلط الحقيقة بالخيال لخلق “رعشة” صادقة تصل للمتلقي، تكريماً لمن رحلوا وتركوا لنا إرثاً من “الهوية الموسيقية” الضاربة في القدم.

رسالة إلى الشباب: احلموا هنا.. وابنوا هنا

لم تفوت الطاهري الفرصة لتوجه رسالة قوية للشباب المغربي، محذرة من وهم “الجنة الخارجية”. دعتهم للتمسك بأحلامهم داخل حدود الوطن، مؤكدة أن “الكنز” الحقيقي تحت أقدامهم. “اصنع حلمك بيدك”، هكذا قالت، مشددة على أن النجاح يتطلب صموداً ومواجهة للصعاب، تماماً كما واجهت هي رياح التشكيك لتصبح اسماً لا يمكن تجاوزه في المشهد السينمائي المغربي.

طموح لا يحده أفق

لا تزال زكية الطاهري تنظر إلى الأفق، تحلم بتصوير “نساء الصحراء”، وسبر أغوار طقوسهن الفريدة مثل “الاحتفال بالطلاق”، بعيداً عن نظرة السائح السطحية. إنها تبحث دائماً عن “الكود” الثقافي الذي يجعل من المغرب لوحة فسيفسائية لا تنتهي ألوانها.

زكية الطاهري، في كل عمل تقدمه، تضع “جينيريك” النهاية وتنسحب، تترك فيلمها للجمهور ليحكم، وتكتفي هي بلذة العطاء. ربما لم تنصفها الصحافة دائماً كما تقول، لكن شاشات السينما ووجدان المشاهدين يشهدان أنها مخرجة كتبت اسمها بماء القلب قبل الحبر.

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store