استعادت ندوة “جداريات أصيلة: نحو هوية بصرية للمدينة”، التي نظمت اخيرا ضمن فعاليات الدورة الصيفية السابعة والأربعين لموسم أصيلة الثقافي الدولي ، مسار تجربة فنية أصبحت من أبرز العلامات المميزة للمدينة، حيث توقف المشاركون عند الأبعاد الجمالية والثقافية والاجتماعية للجداريات، باعتبارها مشروعاً تجاوز حدود العمل التشكيلي ليصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية لأصيلة وصورتها الحضارية.
وشكل اللقاء مناسبة لاستحضار الدور الذي لعبته الجداريات منذ انطلاق موسم أصيلة الثقافي الدولي سنة 1978 في إعادة صياغة العلاقة بين الفن والفضاء العمومي، وفي جعل المدينة نفسها فضاءً مفتوحاً للإبداع، تتقاطع فيه تجارب الفنانين مع انتظارات السكان والزوار.
وأكد المشاركون أن ما يميز تجربة أصيلة لا يكمن فقط في عدد الجداريات التي أنجزت على جدرانها، وإنما في الرؤية التي حكمت هذا المشروع منذ البداية، والقائمة على جعل الفن جزءاً من حياة الناس، وربط الإبداع بالمكان، وإشراك المجتمع في مسار ثقافي متواصل.
وشدد المتدخلون على أن الحفاظ على هذا الإرث يتطلب صيانة روحه الأصلية، والحرص على أن تظل الجداريات وفية لمعايير الجودة والاختيار الفني، حتى لا تفقد المدينة خصوصيتها التي جعلتها نموذجاً في مجال الفن العمومي.
أصيلة.. مدينة تشكلها الألوان
وفي كلمته الافتتاحية، ابرز حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، أن الجداريات أصبحت من العناصر الأساسية التي تختصر صورة المدينة، موضحاً أن أصيلة لا يمكن فصل هويتها الثقافية عن هذه التجربة التي رافقتها منذ بداية موسمها الثقافي.
وأشار إلى أن الجداريات لم تكن مجرد أعمال فنية أضيفت إلى المشهد العمراني، بل شكلت تحولاً في طريقة النظر إلى الفضاء العمومي، إذ جعلت الشارع مكاناً يحتضن الإبداع، وأتاحت للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع الفن.
وأوضح البطيوي أن خروج العمل التشكيلي من القاعات إلى الجدران والساحات منح الفن بعداً اجتماعياً جديداً، وجعله قريباً من مختلف الفئات، بما فيها أولئك الذين لا يرتادون فضاءات العرض التقليدية.
وأضاف أن الجدران تحولت مع مرور السنوات إلى ذاكرة بصرية تحفظ آثار الفنانين الذين شاركوا في الموسم، وتوثق لتنوع التجارب والأساليب التي مرت من المدينة، مؤكداً أن هذا التراكم هو الذي صنع خصوصية أصيلة وجعلها مرتبطة في الوعي الجماعي بالفن والجمال.
وأكد البطيوي أن الجداريات أسهمت في ترسيخ صورة أصيلة باعتبارها مدينة للفنون، ليس فقط بسبب ما تستضيفه من فعاليات، وإنما لأن الثقافة أصبحت جزءاً من نسيجها اليومي ومن طريقة عيش سكانها.
الفن يبني علاقة جديدة مع المكان
وأوضح البطيوي أن القيمة الحقيقية للجداريات تتجاوز الجانب الجمالي، لأنها ساهمت في بناء علاقة مختلفة بين الإنسان ومحيطه، حيث أصبح السكان يشعرون بأن الفضاء العام يحمل جزءاً من ذاكرتهم وهويتهم.
وأضاف أن العمل الفني في الشارع لا يظل ملكاً للفنان وحده، بل يصبح ملكاً للجميع، وهو ما يجعل المحافظة عليه مسؤولية مشتركة، ويعزز الوعي بأهمية حماية الممتلكات الثقافية والجمالية.
وأشار إلى أن الأطفال والشباب كانوا من أكبر المستفيدين من هذه التجربة، لأنهم نشأوا في بيئة ترى الفن جزءاً من الحياة اليومية، وتتيح لهم الاحتكاك المباشر بالفنانين وأساليب العمل المختلفة.
وأكد أن هذه الأبعاد التربوية جعلت من الجداريات وسيلة لنشر الثقافة البصرية، وتكوين أجيال أكثر قدرة على تقدير الجمال وفهم دور الفن في المجتمع.
كما أبرز أن المشروع ساهم في تعزيز مكانة أصيلة على المستويين الثقافي والسياحي، وجعلها نموذجاً لمدينة استطاعت أن توظف الثقافة في خدمة التنمية، وأن تجعل من الإبداع عنصراً من عناصر جاذبيتها.
شهادات فنية من قلب التجربة
من جانبه ، تحدث الفنان التشكيلي عبد الكريم الوزاني عن خصوصية الاشتغال على الجداريات، مؤكداً أن هذا النوع من الفن يختلف عن اللوحة التقليدية، لأنه يرتبط بالمكان وبالجمهور وبالظروف المحيطة بالعمل.
وأوضح أن الفنان عندما يشتغل على جدار في مدينة مثل أصيلة لا يتعامل مع مساحة فارغة فقط، بل مع ذاكرة المكان ومع الناس الذين سيعيشون مع العمل بعد إنجازه.
وأضاف أن من أهم عناصر نجاح تجربة أصيلة اهتمامها بالتربية الفنية، خصوصاً من خلال الورشات التي قربت الأطفال من عالم الفن، وجعلتهم يعيشون مراحل الإبداع عن قرب.
وأكد أن العمل الفني الحقيقي لا يحتاج إلى شرح مستمر، لأن قيمته تكمن في قدرته على التواصل بصرياً وإثارة الأسئلة لدى المتلقي.
من جهته، أكد الفنان بوزيد بوعبيد أن أصيلة كانت دائماً أكثر من مجرد فضاء لإنجاز الأعمال الفنية، لأنها تمنح الفنان إحساساً خاصاً بالمكان، وتدفعه إلى البحث عن أشكال جديدة للتعبير.
وقال إن جمال المدينة هو الذي يستقبل الفنان أولاً، بما تتميز به من انسجام بين البحر والعمارة واللون، وإن الفنان يأتي ليستلهم من هذا الجمال وليس ليضيف إليه فقط.
كما استعاد بوعبيد حضور الراحل محمد بن عيسى، معتبراً أن الرؤية التي حملها جعلت الثقافة عنصراً أساسياً في بناء المدينة، وأن استمرار التجربة يمثل امتداداً لذلك المشروع.
جداريات تحمل بصمات أصحابها
أما الفنان السوري خالد الساعي، فتحدث عن تجربته مع موسم أصيلة، مؤكداً أن المدينة شكلت فضاءً ملهماً للفنانين، وأن كل مشاركة فيها كانت تحمل اكتشافاً جديداً للمكان ولإمكانات التعبير الفني.
وأوضح أن خصوصية الجداريات تكمن في أنها تجمع بين اختلاف الفنانين ووحدة الفضاء، إذ تحمل كل جدارية شخصية صاحبها، لكنها تظل في الوقت نفسه منسجمة مع روح أصيلة.
وأضاف أن تراكم هذه الأعمال عبر السنوات ساهم في بناء وعي بصري لدى السكان، وجعل أبناء المدينة أكثر ارتباطاً بالفنون التشكيلية وأكثر قدرة على قراءة الأعمال الفنية.
بدوره، اعتبر الفنان محمد مرابطي أن أصيلة تمثل مدرسة في الجمال، مشيراً إلى أن نجاح تجربة الجداريات ارتبط بعوامل متعددة، من بينها نظافة المدينة والعناية بفضائها العام.
وأوضح مرابطي أن الجمال لا يبدأ من اللوحة وحدها، وإنما من المكان الذي يحتضنها،وأن انسجام البيئة الحضرية مع الأعمال الفنية كان من أسباب تميز تجربة أصيلة.
وأكد أن الجداريات فتحت حواراً دائماً بين الفنان والجمهور، وجعلت الفن قريباً من الناس، وهو ما منحها قيمة ثقافية وتربوية كبيرة.
الوفاء لذاكرة المكان
وفي مداخلتها، أكدت الباحثة في الجماليات شروق المليحي أن جداريات أصيلة استطاعت أن تتجاوز بعدها الفني لتصبح تجربة إنسانية وثقافية صنعت ذاكرة جماعية للمدينة.
واستحضرت علاقتها الشخصية بهذه التجربة منذ طفولتها، مشيرة إلى أنها كانت تتابع الفنانين وهم يشتغلون في الأزقة، وتشاهد كيف تتحول المساحات البيضاء إلى أعمال تحمل الألوان والأفكار.
وأضافت أن الأطفال كانوا جزءاً من هذه اللحظات، إذ كانوا يقتربون من الفنانين، ويساعدونهم، ويتعرفون إلى طرق العمل وتقنيات الرسم، ما جعل الجداريات مدرسة مفتوحة خارج حدود المؤسسات التعليمية.
وأكدت أن نجاح التجربة يعود إلى أنها لم تعتمد على العشوائية، بل قامت على رؤية تحترم المكان، وتراعي خصوصية المدينة، وتحرص على اختيار الفنانين وتنسيق الأعمال مع المحيط العمراني.
وشددت على أن التحدي اليوم لا يتمثل فقط في استمرار رسم الجداريات، وإنما في الحفاظ على الفكرة التي جعلتها ناجحة، وهي احترام ذاكرة المكان والابتعاد عن كل ما يمكن أن يضعف قيمتها.
وفي نهاية الندوة، أجمع المشاركون على أن جداريات أصيلة تمثل إرثاً ثقافياً يتجاوز حدود المدينة، وأن مسؤولية الحفاظ عليها تفرض استمرار الحوار حول مستقبلها، بما يضمن بقاء الجدران فضاءات للإبداع والجمال، وشاهدة على تجربة ثقافية رائدة جعلت من الفن لغة مشتركة بين الإنسان والمكان.


