يرى الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي رافاييل لوجييه أن ما يحرك التاريخ البشري، ويشكل جوهر الأفراد والجماعات، ليس الأيديولوجيات الجامدة أو الشعارات السياسية، بل هو محرك داخلي أكثر بساطة وتعقيداً في آن واحد: “الرغبة”.

في طرحه الأخير، يقدم لوجييه تشريحاً لطبقات الرغبة البشرية، محذراً من حالة “اكتئاب أسطوري” تضرب المجتمعات الحديثة والشباب، نتيجة فقدان البوصلة في فهم “من نحن” وماذا نريد أن نكون.

يرى لوجييه أن الرغبة البشرية تنقسم إلى ثلاث مستويات متصاعدة:
الرغبة في البقاء (Survival): وهي الطبقة الأولية التي نتشاركها مع كافة الخلايا الحية؛ الحاجة إلى الطعام، التكاثر، والاستمرار.
الرغبة في الحياة (Well-being): وهي ما يسميه “الرفاهية الموضوعية”. هنا يخترع الإنسان الأدوات (مثل الدراجة) لا لمجرد البقاء، بل لتوفير الجهد والوقت وتحقيق راحة قابلة للقياس.
الرغبة في الوجود (To Be): وهي أرقى المستويات وأكثرها جوهرية. يوضح لوجييه أن هذه الرغبة هي التي تبني “الهوية”. عندما يقول الطفل “أريد أن أصبح شخصاً ما”، فهو لا يبحث عن مجرد طعام أو راحة، بل يبحث عن “كينونة” تميزه وتجعله ملتحماً بذاته وبالمجتمع.

يضع لوجييه إصبعه على جرح المجتمعات المعاصرة، واصفاً حالة القلق التي يعيشها الشباب بـ “الاكتئاب الأسطوري”. ويوضح أن هذا النوع من الاكتئاب لا ينتج عن نقص في الطعام أو الرفاهية، بل عن “العجز عن سرد الذات بطريقة إيجابية”.

ويستخدم لوجييه استعارة الطيران المعبّرة؛ ففي حالات الاكتئاب الجماعي، يشعر الناس أن “الأرض التي تحملهم” بدأت بالانهيار. هذا السقوط الرمزي هو نتيجة لفشلنا في تجربة “الرغبة في الوجود معاً”، مما يحول الهوية من حالة التحام وتجربة معاشة إلى مجرد “مشكلة” يتم مناقشتها في مؤتمرات جافة.

في لفتة ذكية، يربط لوجييه بين العلم والرغبة، مشيراً إلى أن البشر هم الكائنات الوحيدة التي تخلق “العقبات” (أو المشكلات) عمداً. الذهاب إلى القمر، على سبيل المثال، لم يكن ضرورة بيولوجية للبقاء، بل كان “عقبة” وضعها الإنسان أمام نفسه ليرفع علمه ويثبت وجوده.

يقول لوجييه: “إن الرحلة إلى القمر منحتنا منظوراً جديداً للأرض”. فالعلم بحد ذاته هو وسيلة لتجاوز الذات، ووضع عقبات تحفز الرغبة في الاكتشاف والوجود.

يختتم لوجييه رؤيته بالتأكيد على أن المؤتمرات والنقاشات النظرية حول الهوية لن تحل الأزمة. الحل يكمن في “إعادة إنعاش الرغبة” على مستوى الممارسة اليومية والالتصاق بالواقع.
في عالم معولم، يجد الإنسان نفسه تائهاً بين “كراسي متعددة” (انتماءات مشتتة)، والسبيل الوحيد لاستعادة التوازن هو من خلال ابتكار أشكال جديدة للمتعة الجماعية والإشباع الوجودي. فالهوية، حسب لوجييه، ليست قضية للنقاش، بل هي تجربة رغبة يجب أن تُعاش بكل حواسنا.

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store