السمارة شاهدة على مدينة كانت ولا تزال قبلة روحية قبل أكثر من قرن، حسب الكتابات التاريخية، وسميت بالسمارة نسبة إلى شجر “السمر” الذي يفرش ضفاف الوادي، مدينة وُلدت من الرمل والإيمان، وترعرعت على قيم لا تُشترى ولا تُستورد: الكرم، والجود، والباب المفتوح لكل عابر سبيل.
من يزر السمارة مرة واحدة، يعرف أن الضيافة هنا عقيدة راسخة تتوارثها الأجيال. الخيمة الصحراوية، وإن غابت اليوم عن كثير من الأحياء لصالح البيوت الإسمنتية، ما تزال حاضرة في الروح: الشاي الأحمر يُقدَّم بلا موعد مسبق، والغريب يُستقبل قبل أن يُسأل عن اسمه.
يقول أحد ساكنة المدينة، صادفناه خلال زيارتنا للسمارة، وهو يقلّب حبات السبحة بين أصابعه: “عندنا القاعدة بسيطة، الضيف رزق، وما كاين حتى واحد كيدخل الدار ويخرج من غير أتاي، هادي عادتنا ورثناها مع أجدادنا.”
هذه الروح الجماعية، التي تحول الجار إلى أخ والغريب إلى ضيف مكرَّم، هي ما يمنح السمارة طابعها الخاص وسط مدن الجنوب المغربي، ويجعل زوارها يغادرونها وهم يحملون معهم أكثر من صورة سياحية: يحملون دفء إنسان صحراوي لا يعرف البخل.
لعقود، ظلت السمارة تُوصف في الأدبيات الصحفية بأنها “مدينة تصنع النخب وتنتظر نصيبها من التنمية”، بحسب توصيف تناولته تقارير محلية مؤخراً، في إشارة إلى مفارقة مؤلمة: مدينة أعطت الوطن كفاءات وأسماء لامعة في شتى المجالات، بينما ظلت هي نفسها تنتظر دورها في الاستفادة من الأوراش التنموية الكبرى.
لكن المشهد بدأ يتغير بوتيرة ملحوظة خلال الأشهر الأخيرة، فقد شهدت المدينة تدشين مشاريع تنموية متعددة تستهدف تأهيل المشهد الحضري وتحسين العرض الصحي، أشرف عليها عامل الإقليم رفقة المنتخبين المحليين وفعاليات المجتمع المدني، في مناسبة تحتفي بها المدينة كل عام. كما دخلت محطة طرقية جديدة بحي الربيب الخدمة، لتربط السمارة بمحاور العيون وأكادير عبر خطوط نقل منتظمة، بعد سنوات من معاناة المسافرين مع محطة قديمة كانت تغرق في الأوحال عند كل موسم أمطار.
وفي خطوة تعكس رغبة المدينة في فتح ذراعيها للاستثمار، احتضنت السمارة مؤخراً فعاليات “SMARA INVEST EXPERIENCE”، في محاولة لتسويق مؤهلاتها الاقتصادية وجذب رؤوس الأموال، إلى جانب مشاريع إسكانية جديدة تستجيب للطلب المتنامي على السكن اللائق، وخطط طموحة لتطوير البنية التحتية للنقل والربط الجوي، بما قد يعزز مكانة الإقليم كمحور إقليمي للتجارة والسياحة الصحراوية.
كما تراهن الدولة على الاستثمار في تعليم وتكوين الشباب المحلي، باعتباره الرافعة الحقيقية لتنمية مستدامة تُبنى من الداخل، لا تُستورد من الخارج، في وقت لا تزال فيه تحديات مثل شح المياه والتصحر تفرض نفسها على أي مقاربة تنموية بالمنطقة الجنوبية.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يبقى السؤال الذي يتردد في مجالس السمارة وأزقتها: هل ستنعكس هذه المشاريع فعلاً على حياة المواطن اليومية؟ فبحسب متابعين لشأن المدينة، فإن التحدي الأكبر لم يعد في غياب المشاريع، بل في سرعة تنفيذها وضمان وصول أثرها إلى الساكنة بشكل مباشر وملموس، بعيداً عن لغة الأرقام والتقارير الرسمية.
السمارة التي وُلدت من زاوية روحية وشجرة سمر عند ضفاف الوادي، ما تزال تحمل داخلها التناقض ذاته الذي يسِم كثيراً من مدن الهامش المغربي: غنى في الإنسان، وانتظار في التنمية. لكنها، كما يشهد كل من عبر أزقتها وجلس في خيامها، مدينة لا تُقاس بمساحتها على الخريطة، بل بحجم القلب الذي تفتحه لكل غريب يطرق بابها.

