في سيرة الخطاط ينجا ما يشبه تلخيصا حيّا لأربعة عقود من تحولات الأقاليم الجنوبية: شاب صحراوي يغادر أرضه في أواخر السبعينيات نحو مخيمات تندوف، ثم يعود إليها بعد أكثر من عقد ليعيد بناء نفسه من الصفر، تاجرا، ثم رجل أعمال، ثم رئيسا لجهة كاملة، وأخيرا وجها مغربيا على طاولة المفاوضات الأممية حول قضية الصحراء.
وُلد ينجا سنة 1962 بمدينة الداخلة، وينتمي إلى قبيلة أولاد دليم، إحدى أكبر المكونات القبلية الممتدة تاريخيا بين جنوب المغرب وموريتانيا.
تلقى تكوينا جامعيا واشتغل مدرسا لمادة الرياضيات في التعليم الثانوي، وهي خلفية أكاديمية نادرا ما تتكرر بين وجوه السياسة البارزة في الأقاليم الجنوبية.
في مرحلة مبكرة من حياته التحق بمخيمات تندوف، حيث واصل التدريس وتولى مسؤولية داخل تنظيم مايسمى بـ”شباب البوليساريو”، قبل أن يغادر متجها إلى موريتانيا أولا، ثم يعود نهائيا إلى أرض الوطن سنة 1992.
مصادر أكدت أن العودة كانت بداية مسار جديد كليا. ترك الوظيفة العمومية نحو التجارة، بدأها ببيع السيارات المستعملة بين المغرب وموريتانيا ودول غرب إفريقيا، قبل أن يتجه إلى قطاع أوسع هو الصيد البحري وتجميد وتصدير المنتوجات البحرية، وارتبط اسمه بشركة “داخلة أطلانتيك” العاملة في هذا المجال، ثم توسعت استثماراته لاحقا نحو العقار والبناء. هذه الخلفية الاقتصادية الصلبة منحته، خلافا لكثير من السياسيين الذين ينتقلون من السلطة إلى المال، مسارا معكوسا: دخل الحقل الحزبي وهو يحمل بالفعل رأسمالا اقتصاديا وشبكة علاقات محلية راسخة.
وبين 2013 و2015 ترأس الجمعية المغربية للمصدرين، محطة نقلته من فاعل اقتصادي جهوي إلى شخصية ذات حضور وطني في أوساط التجارة الخارجية والدبلوماسية. حسب مصادر.
دخوله إلى العمل الحزبي جاء متأخرا نسبيا؛ فقد انضم إلى حزب الاستقلال سنة 2014، وخاض باسمه انتخابات 2015 التي حملته إلى رئاسة مجلس جهة الداخلة–وادي الذهب، متزامنا ذلك مع أولى محطات تنزيل الجهوية المتقدمة. لم يكن فوزه وليد قوة الحزب وحدها، بل ثمرة رصيد اقتصادي واجتماعي وقبلي راكمه قبل الترشح.
وفي انتخابات 2021، تصدر حزب الاستقلال نتائج المجلس بأحد عشر مقعدا من أصل ثلاثة وثلاثين، وأعيد انتخاب ينجا رئيسا بأغلبية واسعة بلغت تسعة وعشرين صوتا، وهو رقم كشف أن نفوذه تجاوز حدود كتلته الحزبية إلى تحالف جهوي أعرض. في الاستحقاقات ذاتها فاز أيضا بمقعد في مجلس النواب عن دائرة وادي الذهب، لكنه تخلى عنه بحكم قواعد التنافي مع رئاسة الجهة، مفضلا الاحتفاظ بمنصبه الجهوي باعتباره مصدر نفوذه الأساسي.
منذ توليه الرئاسة، تحول موقعه من مهمة تدبيرية بحتة إلى واجهة تجمع بين المنتخب المحلي والمفاوض الاقتصادي وممثل المنطقة في الخارج، إذ قدّم الداخلة بوصفها بوابة المغرب نحو إفريقيا جنوب الصحراء ومحورا أطلسيا يربط أوروبا بغرب القارة، مستندا إلى مشاريع كبرى كميناء الداخلة الأطلسي والطريق الرابط مع موريتانيا.
وفي لقاءاته مع الإعلام الإسباني، أظهر قدرة على مخاطبة المستثمرين بلغة المصالح المشتركة، داعيا إلى تعزيز الروابط الاقتصادية مع إسبانيا وجزر الكناري.
أما المحطة التي وسّعت حضوره إلى المستوى الدبلوماسي فكانت مشاركته في المائدتين المستديرتين حول الصحراء بجنيف، في دجنبر 2018 ومارس 2019، ضمن الوفد المغربي إلى جانب رئيس جهة العيون–الساقية الحمراء ومسؤولين ودبلوماسيين. لم يكن حضوره رمزيا فحسب، بل حمل رسالة سياسية مقصودة: تقديم المنتخبين المحليين الصحراويين كممثلين شرعيين للسكان داخل المؤسسات المغربية.
خطابه، في مجمله، عملي وبراغماتي أكثر منه عقائدي؛ يتحدث بلغة الموانئ والاستثمار والصيد والطاقة أكثر مما يتحدث بلغة السجالات الحزبية التقليدية، وهي سمة صنعت قوته وكشفت في الآن نفسه هشاشة انتمائه التنظيمي. فقد أعلن مؤخرا، عشية الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، مغادرته حزب الاستقلال والتحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة، في خطوة اعتُبرت مكسبا تنظيميا لـ”البام” بالأقاليم الجنوبية وضربة لحزب الاستقلال في أحد معاقله الانتخابية المستقرة.
ورغم الصورة اللامعة التي يقدّم بها الخطاط ينجا نفسه كمسوّق للجهة وجالب للاستثمارات، فإن فترتيه على رأس مجلس جهة الداخلة–وادي الذهب لم تسلم من انتقادات متكررة طالت جوهر أدائه التنموي والتدبيري.
أبرز هذه الانتقادات يتعلق بحالة البلوكاج التي طبعت تسييره للجهة؛ إذ تلاحق الخطاط ينجا انتقادات بالفشل في تنزيل مشاريع تنموية تلائم قيمة الجهة التي يراهن عليها المغرب في عدد من المشاريع الاقتصادية الكبرى وجعلها واجهة سياحية عالمية. فجوة بين الخطاب الطموح الذي يرافق كل ظهور إعلامي له عن الداخلة كـ”بوابة أطلسية” و”قطب تنموي صاعد”، وبين وتيرة التنزيل الفعلي على الأرض، أصبحت من أكثر النقاط التي يستثمرها خصومه السياسيون والمعارضة داخل المجلس.
هذا الغموض في الحصيلة تجسّد بشكل مباشر حين أعلن ينجا خلال دورة مارس 2024 أن المجلس استثمر في الجهة أزيد من 460 مليار سنتيم، فردّت عليه المعارضة بمطالبة صريحة؛ إذ طالب عضو المعارضة محمد بوبكر، المنتمي لحزب التقدم والاشتراكية، السلطات المعنية بالتحقيق فيما وصفه بمصير هذه الأموال. مطلب من هذا النوع، الصادر عن عضو معارضة داخل المجلس نفسه لا من طرف خارجي، يكشف عمق الشك في آليات تتبع الإنفاق العمومي داخل الجهة.
كما ظهرت في الأشهر الأخيرة واقعة أثارت جدلا واسعا في الأوساط الجمعوية والتربوية، حين أبرم مجلس الجهة اتفاقية بقيمة مليار ومائتي مليون سنتيم موزعة على ثلاث سنوات مع جمعية محلية، في وقت همّش فيه المجلس الجامعة الوطنية للتخييم رغم الشراكة التي تربطها بالوزارة الوصية لتدبير المخيمات الصيفية. ووفق مصادر محلية، فإن الجمعية المستفيدة قريبة من حزب الاستقلال الذي كان ينجا منتميا إليه آنذاك، وهو ما غذّى انطباعا بأن قرارات المجلس لا تخلو أحيانا من منطق المحسوبية الحزبية على حساب الفاعلين المؤسساتيين.
وتتقاطع هذه الوقائع مع الانتقاد الأشمل الذي يوجَّه لأسلوبه في تدبير الجهة: غياب حصيلة واضحة ومحاسبة فعلية تقابل الخطاب التسويقي المكثف الذي يقدّمه في المحافل الدولية والإعلام الأجنبي، وهو ما يجعل صورته تتأرجح بين “رجل الجهوية” القادر على فتح الجهة على العالم، و”رئيس بلا حصيلة” في نظر معارضيه.

