“الألتراس” وأغاني “الراب” بالمغرب، تحولت لوسائل جديدة للاحتجاج، وتمرير الرسائل الغاضبة، التي تعتمد نبرة حادة في انتقاد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، باعتبارها طرقا جديدة، وبخطاب ترافعي يتجاوز الطرق التقليدية للاحتجاج”.
الملاعب لم تعد فقط فضاءات لتصريف الفرجة الكروية، بل أصبحت بوابة لتصريف الأفكار السياسية في ظل استقالة الاحزاب، أو ابتعادها عن المواطن وهمومه، ويظهر هذا جليا في أغنية جمهور الرجاء “في بلادي ظلموني” التي جاءت حبلى بالرسائل الغاضبة، واغنية هادي بلاد الحكرة لجماهير اتحاد طنجة “.
وتعتبر موسيقى “الراب” لسان الشباب المغربي للتعبير عن تذمرهم من الوضع الاقتصادي والاجتماعي، في ظل التفاعل الكبير الذي وجدته عدد من أغاني “الرابورات”، آخرها “عاش الشعب” التي انتقدت أوضاع البلاد ودعت إلى “تقسيم الثروة” و “العدالة الاجتماعية”.
التفوهات رسائل تعبيرية عن القهر الاجتماعي!
مولود أمغار الأستاذ الجامعي بالقاضي عياض مراكش يؤكد أن “الشباب في بحث دائم دائم عن فضاءات جديدة للتعبير عن سخطهم الاجتماعي وهم يستغلون الإمكانيات التي يتيحها لهم عصرهم. استخدام الشباب والجمهور بشكل عام الملاعب لتمرير رسائل سياسية واجتماعية أو التعبير عن سخطهم أو التفاعل بشكل تضامني مع بعض القضايا الوطنية والدولية، ليس وليد اليوم، لأن الرياضة لم تكن مفصولة يوما عن السياسة.
وأبرز الباحث في علم الإجتماع فيتتصريح خص به “فبراير” أن “مجموعات “الألتراس” بتفاعلها مع الأحداث السياسية والتأثير فيها، نحن أمام نفس الأدوات وهي لفتات والتيفوات وأيضا الشعارات والأغاني، لكن الجديد اليوم يتمثل من جهة أولى في الرموز التي تحملها هذه اللفتات و التيفوات، وكذلك في طبيعة كلمات الأغاني التي تنتجها والتي تكشف عن تزايد الوعي السياسي وكذلك عن التزامهم بالدفاع عن قضايا الفئات التي هم جزء منها. ومن جهة ثانية في قدرة الألتراس على الحشد والتنظيم، وأيضا في قدرتهم على المشاركة في صناعة المواقف العامة.
وأكد أمغار في حديثة لـ”فبرار” أن الاهتمام الذي تحظى به اليوم “الألتراس” اليوم ومتابعة أنشطتها من طرف فئات اجتماعية عريضة، إلى الرسائل التي قد تحملها شعاراتهم و”تيفواتهم”، والتي أصبحت محط اهتمام الاعلام الوطني والدولي، لأن رسائلها لم تعد موجهة فقط لمجموعات الالتراس الأخرى، بل موجهة للحكومة والمسؤولين بالدرجة الأولى. مشيرا إلى أنه “يمكن لأي كان أن يلاحظ أن مجموعات “الألتراس” التي جعلت من النقد والمعارضة جزء من ممارستها التشجيعية، اليوم التنافس فيما بينها أصبح يتأسس على من يتجرأ وينتقد أكثر. وينتظر المجتمع اليوم الرسالة التي سيكشف عنها “التيفو” أكثر مما ينتظر نتيجة المباراة.”
لمعرفة الفكرة التي يتأسس عليها “فن التفوهات” يبرز أمغار في حديثه للموقع أنه “يتطلب منا الرجوع إلى الشروط الاجتماعية التي جعلت من هذا الفن الشبابي والحضري يرتبط منذ نشأته بالدفاع عن قضايا الهامش والمهمشين. الراب منذ ظهوره في الولايات المتحدة الأمريكية وانتشاره فيما بعد في أوروبا لا سيما فرنسا، جعل من الإقصاء والتهميش والفقر والتفاوتات الاجتماعية موضوعات أغانيه، واتخذ من الكلمات الجريئة والموسيقى السريعة أدوات للتعبير بشكل ساخط عن الوضعيات غير العادلة التي تعيشها فئات اجتماعية عريضة خصوصا شباب الهامش والضواحي.
“الراب” لا يعرف الخطوط الحمراء!
امغار الباحث في السوسيولوجيا أمغار يعتبر ” الراب في المغرب كما هو الحال في كل أنحاء العالم، فن الهامش لأنه ارتبط وما يزال بالشارع على الرغم من الصبغة المؤسساتية التي أصبح يكتسيها في إطار عملية احتوائه وضبطه.”
وشدد الأستاذ الجامعي على أن ” الخاصية التي تطبع أغاني الراب وتميزها عن غيرها هي أنها تتأسس على خطاب معارض ومتحرر لا يخضع للرقابة الذاتية ولا يقف عند الخطوط الحمراء. وما يجعله مؤثرا في المجتمع هو أنه اليوم أصبح حركة خطابية لأنه يقف عند توصيف الواقع ولا يكتفي بالنقد بل يتجاوزهما إلى الحشد والتعبئة والدفع بالناس إلى المطالبة بالتغيير. اليوم، لا يمثل “الرابور” نفسه بل يمثل فئة عريضة ترى نفسها في كلماته وموسيقاه، ويصبح صوت من لا صوت لهم داخل المجتمع.”
وحول الأسباب التي تجعل من “الراب” فنا مؤثرا داخل المجتمع قال أمغار يمكن تقسيمها إلى موضوعية وذاتية، الأسباب الموضوعية معروفة لذلك نختزلها بشكل سريع في سببين الأول يرتبط تضيق مساحات التعبير داخل المؤسسات الرسمية، في حين يرتبط الثاني بأزمة التمثيل داخل المؤسسات النيابية لأن شرائح عديدة لا تجد نفسها ممثلة بداخلها. أما الأسباب الذاتية فيمكن تقسيمها إلى خمسة أسباب رئيسة، أولها، كون الراب فنا يجمع ما بين المتعة والمرارة، ثانيها أنه لا يلامس معاناة الشباب والهامش ويعبر عنها بلغة الشارع، ثالثها لكونه يتضمن خطابا احتجاجيا يتم تصريفه على خلفية ايقاعية تعبر عن الذوق الثقافي الجديد للشباب، رابعها أن موقع “الربور” داخل حقل الراب لا يتحدد فقط بقدراته الصوتية أو الموسيقية بل على جرأته في تجاوز الخطوط الحمراء في المعارضة وبقدرته على التعبئة والتأثير. خامسها أن وسائل التواصل الجديدة تجعل من إمكانية تلقي أغاني الراب والتفاعل معها من طرف جمهور واسع أمرا ممكنا،” على حد تعبيره.
الألتراس والراب وسائل للتعبير بكل جرأة!
عزيز ادمين الخبير في مجال حقوق الإنسان، يشير إلى “ارتفاع منسوب تعبيرات عدد من الشباب في وسائل التواصل الاجتماعي إلى تلاقي عدة عوامل، أولها غياب ووسائل الوساطة المؤسساتية والسياسية بين هؤلاء الشباب والدولة، وهذه الوسائط التي تقوم بترجمة مطالب واحتياجات الشباب إلى برامج اجتماعية واقتصادية.
وأضاف الحقوقي إدمين مبرزا أن “العامل الثاني يمكن في الثورة التكنولوجية التي أعطت للأفراد فضاءات جديدة للتعبير وإبداء تظلماتهم، والعامل الثالث وهو مرتبط بالعامل الثاني، تدفق عدد كبير جدا من المعلومات بشكل يومي بل وفي كل دقيقة تتعلق بفضح الفساد أو تورط مسؤولين عموميين في نهب المال العام، وأيضا النموذج التنموي الذي يعيش شباب الضفة الأخرى حيث توجد المساءلة والشفافية والحكامة، والعامل الأخير في اعتقادنا يتعلق بارتفاع منسوب الوعي لدى الشباب وخاصة الوعي الحقوقي بكون مطالبهم ليست هبات من الدولة وإنما هي حقوق صيلة من حقهم التمتع بها ومن واجب الدولة توفيرها.”
وأكد أن تلاقي هذه “العوامل بالإضافة إلى عوامل أخرى لم نذكرها فتحت الفضاء العمومي التداولي في وجه العمومي والشباب خاصة، للتعبير بكل جرأة عن معاناته، حيث لم يعد يخشى عقوبات الدولة من سجن أو غيرها بل يجدها أرحم من الواقع الذي يعيش فيه.”
نحن أمام جيل جديد من الشباب بمطالب حقوقية، -يؤكد ادمين- يستعمل كل الوسائل المتاحة أمامه، من أجل إيصال صوته، قد تكون مضمون الرسائل أحيانا فيه جرأة وشجاعة لقول ما يعتبر طابوهات، كالحديث في الدين أو النظام السياسي، ولكنها تبقى تعبير عما كان كمن ومكبوت في المجتمع طيلة سنوات، واليوم أصبح يخرج للعلن لأسباب اجتماعية، أهمها عيش مستوى متدني من الفقر والهشاشة في مقابل يتابع عبر وسائل التواصل الاجتماعي مصير ثروات بلاده التي تنهب من قبل أقلية لها امتيازات وتنعم في اقتصاد الريع في غياب أي مساءلة أو محاسبة .”
وحول حديثه عن الالتراس بالمغرب، قال ادمين أن الشباب العاشق للكرة ” أصبح يجد أيضا في عقلية الجموع التي تتجاوز التأطير المؤسساتي، وسيلة للتعبير، فرفع شعار الغرفة 101 المقتبسة من رواية جورج أورويل لها أبعاد كثيرة، أن جمهور كرة القدم ليس للفرجة والمتعة ولكنه أيضا يعبر عن معاناة الشعب ويترجم الظلم الذي يلحق معتقلي الرأي والمعتقلين السياسيين، وأن جمهور الكرة هو جزء لا يتجزأ من المجتمع المقتنع بالتعذيب الذي تعرض له معتقلي الحسيمة”.

