قبل عشرة أيام ودعنا زميلانا الأستاذ عبد الرحمان المتيوي، واليوم نودع الأستاذ سامي لوقش ووالدته، لا يكاد يمر يوم دون أن تصلنا أخبار مفجعة بفقدان قريب أو عزيز أو صديق، الفيروس الفتاك ينفذ وعيده، ما عدنا قادرين على عد من أصابهم ممن نعرف، في أسرنا وفي محيطنا المهني، المحاكم تتحول لبؤر وبائية، محامون وقضاة وموظفون ومفوضون قضائيون، فقط نعد من نفقدهم.
ما عاد بيننا من يشك في الجائحة، البشرية الآن تعيش إحدى معاركها التاريخية، عادت لتحارب من أجل قضيتها الأولى، معركتها الأصلية، معركة بقاء الجنس البشري على ظهر هذا الكوكب. الكوفيد اصاب إلى الآن ما يناهز 62 مليون من سكان العالم، وفتك بمليون ونصف مليون، هذا ما يظهر في الارقام الرسمية، وما خفي كان أعظم.
ينتابنا الخوف على أنفسنا وعلى ذوينا وأبنائنا وآبائنا وأمهاتنا وعلى كل من نحب، نحتمي منهم ومن أجلهم، فالموت يتربص بنا وبهم، نخاف على أنفسنا من الهواء الذي نستنشقه، ونخاف على غيرنا من الهواء الذي ننفثه، نخاف من أن يحملوه إلينا في صدورهم أو نحمله إليهم في تلابيب ثيابنا.
في هذا الجو المرعب يقف رجال ونساء مهنة المحاماة النبيلة على بعد أيام من استحقاقات تجديد هياكلها، هذه الاستحقاقات التي تعيشها كل ثلاث سنوات ونعلق عليها الكثير من آمالنا وآلامنا، فتضيع بنا البوصلة، أي المعارك يجب أن نخوض أولا؟ هل معركة البقاء التي تعيشها البشرية جمعاء والتي تسقطنا الواحد تلو الآخر، أم معركة انتخابات مكاتب هيئات المحامون بالمغرب؟
في هذه الانتخابات من المفروض أن يدلي فيها أزيد من 13 ألف محام بصوته في مختلف أرجاء المملكة، موزعين على 17 هيئة بمعدل 774 محام في كل هيئة. كل واحد منهم يخالط عائلته وذويه وجيرانه، وهم جميعا يخالطون بشكل يومي أزيد من 6000 محامي متمرن، وأزيد من 14 ألف موظف، وأزيد من 4000 قاض، إضافة إلى المفوضين القضائيين والخبراء وموظفي مختلف الإدارات العمومية الأخرى، كما يخالطون أيضا زبنائهم، فيما يناهز أربعة ملايين قضية تروج سنويا بمختلف محاكم المملكة.
مع هذه الأرقام هل من الحكمة الإصرار على تنظيم الانتخابات في موعدها؟ أليس درء المفاسد مقدم على جلب المصالح؟ أليس الحفاظ على الحياة والصحة أمر مقدس؟ ويتقدم على غيرها من الأولويات؟ ثم أي ضرر في أن يمدد لنقبائنا وأعضاء مكاتب هيئاتنا عدة أشهر أخرى؟ ألم يمدد في عمر مجلس النواب مرتين في ثمانينيات القرن الماضي؟ وكان الأمر يتطلب تعديلا دستوريا فعدل؟ ألم يمدد في عمر المجلس الأعلى للقضاء سنتين ونيف إلى غاية تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية؟
كيف يعقل أن تمنع الأعراس والجنائز وهي التي تضم بضع عشرات من الناس ويسمح بتنظيم انتخابات تهم الآلاف.