عاش المغرب في الآونة الأخيرة حالة انحباس على المستوى الحقوقي والسياسي، لم نشهدها منذ سنوات الجمر والرصاص، حيث عادت الاعتقالات في وسط الحقوقين والسياسيين والصحافيين بقوة إلى الواجهة، بعد أن كان الحراك الذي شهدته البلاد في سنة 2011 مع ميلاد حركة 20 فبراير، قد فتح قوسا مهما للحريات، إلا أنه سرعان من تبخر مع عودة بعض الممارسات السلطوية إلى الواجهة.
اليوم، ونحن على أبواب الاستحقاقات التشريعة، لا زالت مجموعة من الملفات السياسية والحقوقية لم تطوى بعد، من قبيل ملف معتقلي حراك الريف، وملف معتقلي جرادة، بالاضافة إلى استمرار اعتقال الصحافي سليمان الريسوني، والصحافي عمر الراضي، والمؤرخ المعطي منجب، بالاضافة إلى العشرات من الطلبة الجامعيين والمدونين.
هذه الملفات التي يصفها مجموعة من المتتبعين بأنها “حارقة”، على اعتبار ما خلفته من ردود أفعال وسط المنتظم الدولي والجمعيات الوطنية، لا تظهر عليها أية مظاهر للانفراج القريب، لكن مؤشرات كثيرة طفت على السطح قد تجعل من الدولة المغربية تعجل بطي هذه الصفحة التي تعج بالانتهاكات الحقوقية.
صعود الديمقراطين وعودة ورقة محاربة السلطوية
أولى المؤشرات التي من الممكن أن نقيس عليها، هي صعود الديمقراطيين على رأس البيت الأبيض، بعد فترة عصيبة على العالم مع الرئيس الأمريكي السابق في مجال حقوق الإنسان، والذي اعتمد سياسة غض النظر عن الانتهاكات مقابل “المال”.
في رؤيته لإنقاذ السياسية الخارجية الأمريكية بعد رحيل ترامب، تعهد الرئيس الأمريكي المنتخب چو بايدن، في حملته الإنتخابية، أن تكون من ضمن أولويات عودة أمريكا للقيادة الدولية وتبني أجندة لمقاومة السلطوية والدفاع عن حقوق الإنسان داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية.
صعود بايدن الرجل المعروف على المستوى الحقوقي، أكثر منه وسط المجال السياسي، سواء كمحامي أو كمدافع عن حقوق الإنسان، لا بد وأيطبع ولايته الحالية، خصوصا أمام تردي الوضع الحقوقي في الولايات المتحدة الأمريكية، أو العالم.
يشار إلى أن تنصيب بايدن رئيسا في نهايات شهر يناير الماضي، جاء تزامنا مع الذكرى العاشرة لاندلاع ثورات الربيع العربي، وعودة الشارع العربي الى الغليان في العديد من بلدان المنطقة، وهو ما سيشكل دفعة قوية للاشهار المبكر لورقة حقوق الإنسان في وجه الأنظمة العربية.
الضغط الدولي يخلق الانفراج الاقليمي
على المستوى الإقليمي، تعييش المنطقة مرحلة جديدة على بعد عقد من الزمن عن انطلاق ثورات الربيع العربي، وانقضاض قادة الثورات المضادة على السلطة.
ففي مصر، وبعد أربع سنوات من السجن بدون محاكمة، تم الأسبوع الماضي، الافراج عن الصحافي محمود حسين مراسل الجزيرة بالقاهرة، وهو ما رحب به الفاعلين الحقوقين بمصر، مطالبين بالافراج عن باقي المعتقلين.
وفي السعودية، أطلقت السلطات يوم الاربعاء، سراح الناشطتين لجين الهذلول ونوف عبد العزيز، بعد نحو 3 أعوام من التوقيف، بالاضافة الى العديد من النشطاء الذين اعتقلوا على خلفية الرأي.
هذه الأحداث التي لا يمكن فصلها عما يجري دوليا، وخصوصا بعد إعلان الرئيس الأمريكي الجديد عن وقف دعم الولايات المتحدة الأمريكية للسعودية، وعودة المياه الى مجاريها بين الرياض والدوحة.
أية قراءة للحلقة الأخيرة من برنامج “مباشرة معكم” والحوار مع معتقلي الريف؟
على طول عقود ظلت قنوات القطب العمومي بالإضافة الى القناة الثانية، مساحات لتمرير وجهة نظر المتحكمين في دواليب الدولة، وجهة نظر وحيدة لم تعكس يوما الرأي السائد في البلاد، كما أن هذا الانغلاق جعل العديد من المواطنين ينفرون منها، على حساب العودة القوية لمواقع التواصل الاجتماعي للتعبير عن الرأي.
في الحلقة الأخيرة لبرنامج “مباشرة معكم”، والتي يديره الاعلامي جامع كلحسن، استضاف الناشطة العشرينية سارة سوجار والحقوقي محمد العوني، بالاضافة الى كل من الصحافي يونس دافقير والحقوقي محمد الهيني. النقاش كان حول تقييم عشر سنوات على انطلاق حركة 20 فبراير. هذه الحلقة التي نالت نسبة مهمة من المشاهدات، فتحت نقاشا مهما مرتبط بالوضعية الحقوقية وماَلاتها في بلادنا.
إن طرح هذا النقاش على قناة عمومية لا يمكن أن نفهم منه إلا شيئين أساسيين، الأول هو أن الدولة المغربية تحاول التنفيس عن وضع الاحتقان الذي نعيشه في ظل اقتراب الموعد الانتخابي، وثنايا هو بداية لفتح نقاش عمومي عن الكيفية التي من الممكن أن يفرج عنها المعتقليين السياسيين ومعتقلي الرأي.
نقطة أخرى، والتي تعتبر بدورها مؤشرا على قرب الإنفراج، هي تأكيد العديد من المصادر على انطلاق جولات من الحوار مع قيادة حراك الريف المعتقلين بسجن “طنجة2” مع أجل إيجاد حل لطي هذا الملف نهائيا.
فهل نحن على أبواب انفراج سياسي؟ أم أن ما يتم القيام به لا يعدوا تنفيس في ظل الاحتقان؟ أو أن الأمر يدخل في خانة المناورات السياسية التي تدخل في إطار التسخينات الانتخابية؟ كل هذه الأسئلة وحدها الأيام كفيلة بالإجابة عنها.