يعتبر ورش تعميم الحماية الاجتماعية من الأوراش الكبرى التي أطلقها الملك محمد السادس، وهو ثورة اجتماعية حقيقية يقودها الملك بخطة عمل استراتيجي تهدف إلى تقليص الفقر ومحاربة كل أشكال الهشاشة ودعم القدرة الشرائية للأسر وتعميم التأمين الصحي الإجباري على جميع المواطنات والمواطنين، وتعميم التعويضات العائلية والتعويض عن فقدان الشغل، وتوسيع نظام التقاعد.
وقد نصت المادة 31 من الدستور المغربي لعام 2011 على أن الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، تعمل على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في العلاج والعناية الصحية، والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، والتضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة.
كما يشكل القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية، مرحلة أساسية في تنفيذ توجهات الملك محمد السادس فيما يتعلق بتعميم التغطية الاجتماعية لفائدة جميع المواطنات والمواطنين المغاربة بحلول عام 2025.
في هذا السياق، وفي إطار المذكرة التوجيهية التي تقدم بها رئيس الحكومة قصد إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2024، راسل موقع “فبراير” الأستاذ في السياسات الإجتماعية بجامعة محمد الخامس بالرباط عبد الحفيظ ماموح قصد تسليط الضوء على أسس إرساء دعائم الدولة الاجتماعية، بإعتبارها ورش من الاوراش الوطنية وركيزة من الركائز الاساسية التي ينبغي أن يرتكز عليها قانون المالية لسنة 2024.
-المذكرة التوجيهية لإعداد مشروع قانون المالية 2024 تحت المجهر
في هذا الإطار قال عبد الحفيظ ماموح، أستاذ القانون والدستوري والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، في تصريح خص به موقع “فبراير”، إنه لا بد من الإشارة الى أن الرسالة التوجيهية لرئيس الحكومة المتعلقة بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2024، ينبغي أن تنطلق أساسا من أهداف البرنامج الحكومي 2021-2026، وعلى رأس تلك الأهداف المسطرة في البرنامج الحكومي بهدف “تدعيم ركائز الدولة الاجتماعية”، وهو في الحقيقة عنوان يتضمن مجمل السياسات الاجتماعية التي تعتزم الحكومة القيام بها.
وأضاف أنه وبالنسبة لتمويل برامج الحماية الاجتماعية، فقد حدد قانون الإطار المتعلق بالحماية الاجتماعية رقم 21-09، الصادر في أبريل سنة 2021 آليتين للتمويل، الأولى قائمة على الاشتراك بالنسبة للأشخاص القادرين على المساهمة في تمويل هذه الحماية الاجتماعية، والثانية قائمة على التضامن لفائدة الأشخاص غير القادرين على تحمل واجبات الاشتراك.
وأشار المتخصص في حقل السياسات الإجتماعية، إلى أن قانون الحماية الإجتماعية تطرق إلى بعض مصادر التمويل، والمتعلقة أساسا بالعائدات الضريبية المخصصة لتمويل الحماية الاجتماعية، والموارد المتأتية من إصلاح نظام المقاصة، والهبات والوصايا، إضافة الى جميع الموارد الأخرى التي يمكن أن ترصد بموجب نصوص تشريعية وتنظيمية خاصة، مشددا على ان مسألة التمويل هي أهم تحدي لنجاح مشروع الحماية الاجتماعية، ذلك أن الرهان على اشتراكات المواطنين وكذا الرهان على تحويل ميزانية صندوق المقاصة، قد يصطدم بتعقيدات واقعية صعبة.
-إشكالية التمويل تصعب مهمة تعميم الحماية الإجتماعية
وفي علاقة بإشكالية التمويل، قال عبد الحفيظ ماموح، إن الرهان الأول يفترض الإقبال التلقائي للمواطنين المزاولين لأعمال حرة على الانخراط في صندوق الضمان الاجتماعي وأداء واجب الاشتراك، المتفاوت حسب الفئات المهنية، كما حددته النصوص التنظيمية، أما الرهان الثاني فيرتبط بإلغاء صندوق المقاصة وتحويل الميزانية المخصصة له لتمويل الحماية الاجتماعية، ولا سيما تقديم الدعم المباشر للفئات الاجتماعية الهشة، الذي يعتبر جزء من منظومة الحماية الاجتماعية الشاملة.
كما أبرز أن هذا الطرح أيضا يصعب تنفيذه في المنظور القريب لاعتباريين رئيسيين، الأول مرتبط بالتخوف من ارتفاع أسعار المواد المدعمة (الدقيق والسكر والبوطان)، وهو الأمر الذي من شأنه أن يؤثر على القدرة الشرائية لعموم المواطنين وقد يؤثر سلبا على السلم الاجتماعي، والثاني متعلق بصعوبة إحصاء الفئات الإجتماعية المستحقة للدعم المادي المباشر، وذلك بناء على السجل الاجتماعي الموحد، الذي يهدف الى تحديد عدد الأسر الفقيرة التي ينبغي دعمها بمبلغ مالي شهري، حيث يعتقد في هذا الصدد أنه يصعب، على المدى القريب، الحديث عن نجاح الدولة في تعميم الحماية الاجتماعية على جميع المواطنين وبكل مستوياتها التي حددها قانون الإطار المشار اليه. وذلك راجع الى إشكالية التمويل.
-الجماعات الترابية يمكن أن تساهم بشكل مباشر او غير مباشر في تنزيل ورش الحماية الإجتماعية
في هذا السياق يصرح ماموح أن الجماعات الترابية وظيفها تنموية بالأساس انطلاقا من سياسة القرب في تشخيص حاجيات المواطنين وتلبيتها، فبالإضافة الى مشاركتها للدولة في تنفيذ السياسات العمومية، وعلى رأسها السياسات العمومية الاجتماعية، فإنها أيضا عليها أن تسطر سياسات عمومية محلية انطلاقا من برامج العمل التي تضعها المجالس في بداية ولايتها.
وفي إطار مساهمة الجماعات الترابية في مجال الحماية الاجتماعية، أكد الاستاذ عبد الحفيظ ماموح، انه يمكن أن تتخذ هذه المساهمة صورتين الأولى مباشرة تتجلى في مساهمة الجماعات الترابية بشكل مباشر في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وصورة غير مباشرة من خلال مساهمة الجماعات الترابية في إقامة المنشآت الصحية والتعليمية والنقل المدرسي وغيره من الخدمات العمومية، ذلك أن هذه الخدمات من شأنها مساعدة الأسرة وحمايتها من مخاطر الفقر والهشاشة، وهو الهدف الأسمى لمنظومة الحماية الاجتماعية، مبرزا في الأخير، الاشكال الرئيسي الذي يحول دون قيام الجماعات الترابية بممارسة اختصاصاتها كاملة وبشكل فعال، هو ضعف الحكامة وقلة الوسائل البشرية، علاوة على ضعف المداخيل المالية.
هناك مقترحات يمكن اخذها بعين الاعتبار بشان الحماية الإجتماعية
يؤكد المتخصص في السياسات الإجتماعية بجامعة محمد الخامس في هذا الصدد، أنه لا يمكن من الان الحديث عن تقييم شامل ونهائي لمدى نجاح الدولة في تنفيذ وتنزيل ورش ومشروع الحماية الاجتماعية. لكون الإطار الزمني المحدد لهذا المشروع لم ينته بعد، والمحدد من سنة 2021 الى غاية سنة 2026، كما هو واضح في قانون الإطار المتعلق بالحماية الاجتماعية وفي البرنامج الحكومي.
وأضاف، أنه هناك بعض المقترحات التي يمكن الادلاء بها لأجل تطوير المنظومة الحالية للحماية الاجتماعية ولأجل الإسراع في تنفيدها لابد من الإسراع في إصدار النصوص التطبيقية والتقيد بالبرمجة الزمنية المحددة، وتعديل معايير وشروط التسجيل في السجل الاجتماعي الموحد للاستفادة من الدعم الاجتماعي الذي تقدمه الدولة، وتوسيع قاعدة المستفيدين من منح الشيخوخة، وإدراج الحماية من البطالة ضمن مشمولات الحماية الاجتماعية، والإصلاح الشامل للمنظومة الصحية إلى جانب تعزيز الدور الرقابي لجهاز “مفتشية الشغل” ومنحه صلاحيات إضافية.

