لقد سبقت الاشارة الى ان تهميش الدستور لهيئات المحامين وعدم تخويلها اي تمثيلية في مؤسساته ذات الصلة، كثيرا ما يفسح المجال لتمرير النصوص المفاقمة لازمة المحاماة، وقد يبقى ذلك مستمرا حتى في حالة دسترة المحاماة، مما يؤكد بان الامرين مختلفين ولا ينبغي الخلط بينهما.
وتجدر الاشارة الى ان المغرب كغيره من البلدان التي تعرضت للاستعمار الفرنسي او حمايته، ما زال يعاني من هيمنة الثقافة القانونية على الثقافة الدستورية كما هو سائد في فرنسا الى اليوم لأسباب تاريخية وسياسية وفكرية، مما يجعل دسترة المحاماة ليست من اولويات المحامين المغاربة بالرغم من انها لا تهم المحامين وحدهم وانما تهم جميع المواطنين، لكون المحاماة تساهم في تحقيق العدالة.
وبالتالي، فان دسترة المحاماة لها اهمية قصوى باعتبارها ضمانة هامة لحماية حقوق المحامين والحفاظ على مراكزهم القانونية ومكتسباتهم المهنية، حيث تمنع على اي قانون المساس بها، اضافة الى انها تعد من الضمانات الهامة للمحاكمة العادلة التي اصبحت في عصرنا الحالي هي المعيار الحقيقي للتمييز بين دولة القانون والدولة التي لا يسود فيها القانون.
ومن المستجدات المتميزة لدستور 2011 دسترته ل” هيئات حماية حقوق الانسان والنهوض بها. ” بمقتضى الفصول من 161 الى 164 والتي من بينها المجلس الوطني لحقوق الانسان، ومؤسسة الوسيط، والهياة المكلفة بالمناصفة ومكافحة جميع اشكال التمييز…الخ.
وذلك دون دسترة المحاماة التي هي بطبيعتها وحكم مهامها، في طليعة هيئات الدفاع عن حقوق الانسان.
وبالرجوع الى دساتير دول الاتحاد الاوروبي الاقرب الينا، بدءا من دستور الجارة البرتغال لسنة 1976 المعدل سنة 2005 نجده ينص في المادة 208 منه على ما يلي:
” يضمن القانون تمتع المحامين بالحصانة اللازمة لممارسة واجباتهم، وينظم التمثيل القانوني، كعنصر ضروري في اقامة العدل.”
كما ينص ايضا على ما يلي:
” المادة: 32 -المحاماة ضمانات الحماية في الدعاوى الجنائية.
…يحق للمتهمين اختيار محام يمثلهم وفي مؤازرته لهم في كل خطوة إجرائية…”
وينص كذلك في المادة 20 منه على ما يلي:
” …-الحق في المعلومة القانونية والمشورة القانونية، وكذلك الدفاع القانوني، وفي الاستعانة بمحامي في اثناء العرض على اي سلطة، مكفول للجميع طبقا للقانون.”
الى غير ذلك من المواد التي لها علاقة بالمحاماة وحقوق الدفاع.
وكذلك الامر حتى بالنسبة لكثير من الدول النامية، ومنها دولة مصر على سبيل المثال، حيث ان دستورها لسنة 2014 المعدل سنة 2019 بعد ان خصص الفصل الخامس منه للسلطة القضائية، اتبعه مباشرة بالفصل السادس الذي خصصه للمحاماة والذي ينص على ما يلي:
” الفصل السادس: المحاماة.
مادة 198: المحاماة مهنة حرة، تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة، وسيادة القانون، وكفالة حق الدفاع، ويمارسها المحامي مستقلا، وكذلك محامو الهيات وشركات القطاع العام وقطاع الاعمال العام، ويتمتع المحامون جميعا اثناء تأديتهم حق الدفاع امام المحاكم بالضمانات والحماية التي تقررت لهم في القانون مع سريانها عليهم امام جهات التحقيق والاستدلال، ويحظر في غير حالات التلبس القبض على المحامي او احتجازه اثناء مباشرة حق الدفاع، وذلك كله على النحو الذي يحدده القانون.”
كما ينص الدستور المصري المذكور في المادة 98 منه على ما يلي:
” حق الدفاع اصالة او بالوكالة مكفول، واستقلال المحاماة وحماية حقوقها ضمان لكفالة حق الدفاع …”
وهكذا يؤكد الدستور المصري بان القضاء والمحاماة شريكان في المهام الرئيسية الثلاث الاتية:
– شريكان في تحقيق العدالة.
– شريكان في تحقيق سيادة القانون.
– شريكان في كفالة حق الدفاع.
مما يجعل اي اضعاف لأحدهما يشكل اضعافا للعدالة ولدولة القانون ولحق الدفاع.
ولا شك ان دسترة المحاماة سواء في الدستور البرتغالي او الدستور المصري او غيرهما من دساتير دول العالم، هي ضمانة لتحقيق العدالة، وضمانة لسيادة القانون، وحماية لحق الدفاع؛ وأنها لا تهم المحامين وحدهم بل تهم المواطنين والمتقاضين جميعا.
وللتذكير، فإنني عندما كنت نقيبا ممارسا لهياة المحامين بطنجة خلال فترة 2015 و2017 قمت بتقديم مقترح بهذا الشأن الى مجلس الهيئة الذي اتخذ قرارا بإحياء يوم المطالبة بدسترة المحاماة بالمغرب كل عام، وذلك تزامنا مع ذكرى اعلان حقوق الانسان، واستمر احياؤها بندوات وانشطة حقوقية هامة كل سنة؛ غير انها توقفت خلال الفترة الحالية.
كما عملت آنذاك شخصيا على اثارة انتباه الزميلات والزملاء الى اهمية دسترة المحاماة في مقال لي بمثابة ارضية قانونية لجدول سنة 2017 الذي ورد فيه ما يلي:
” … على المحامين النضال من اجل دسترة مهنة المحاماة…الذي خصصت له هياة المحامين بطنجة ابتداء من سنة 2016 يوم عاشر ديسمبر من كل عام للمطالبة بدسترة المحاماة. “
والخلاصة، ان تهميش الدستور لهيئات المحامين واقصاءيها من مؤسساته العليا كالمجلس الاعلى للسلطة القضائية والمحكمة الدستورية ومجلس المستشارين، من العوامل الرئيسية التي تفسح المجال لتمرير القوانين المنتجة والمفاقمة لازمة المحاماة.
ومن جهة اخرى فان ما يتيح استهداف المحامين من جهات متعددة هو عدم دسترة المحاماة لحماية حقوقهم ومراكزهم القانونية ومكتسباتهم المهنية، ومنع المساس بها بواسطة القوانين التي تمررها الحكومة على المؤسسات الدستورية المذكورة طبقا للمسطرة التشريعية.
خاصة وان اسرة القضاء بجناحيها قضاة ومحامين، كانت تعاني لعقود طويلة من القوانين الماسة بمجالها بسبب هيمنة السلطة التنفيذية عبر وصاية وزارة العدل عليهما معا، الى ان تحقق استقلال القضاء الذي ناضل الجميع من اجله سيما هيئات المحامين، لكن بعد ان استأثرت وزارة العدل بالوصاية على جزء واحد من اسرة القضاء وهو الجزء الخاص بالمحامين ضمن المهن القضائية والقانونية، قد انقلبت وضعية المحامين راسا على عقب، بحيث لم يعودوا يعرفون اين موقعهم بالضبط؟ هل ما زالوا جزءا من اسرة القضاء طبقا لمقتضيات المادة الاولى من قانون المحاماة لسنة 2008؟
ام ان المحامين قد تمت دحرجتهم من اسرة القضاء الى اسرة ” المهن القضائية الاخرى” طبقا لمقتضيات المادة 18 من قانون التنظيم القضائي لسنة 2022؟ التي تنص على ما يلي:
” تحدث على صعيد كل محكمة لجنة لبحث صعوبات سير العمل بها… وتعمل تحت اشراف:
ب -بالنسبة لمحاكم الدرجة الثانية: الرئيس الاول للمحكمة، وعضوية الوكيل العام للملك لديها ورئيس كتابة الضبط ورئيس كتابة النيابة العامة ونقيب هيئة المحامين في دائرية نفوذ المحكمة…يمكن اشراك احدى المهن القضائية الاخرى ممثلة في شخص رئيس هيئتيها بدائرية نفوذ المحكمة…”
وبهذه الجرأة الفائقة اقدمت هذه المادة على إنزال النقيب من رتبته الراسخة تاريخيا في منظومة العدالة الى جانب الرئيس الاول لمحكمة الاستئناف والوكيل العام للملك، وفي اللجن الثلاثية السابقة، واحالته خارج صف الاسرة القضائية بل خارج صف اسرة محكة الاستئناف بمجموعها، وكأنه ليس من اهلها ولا قيمة لمقر هيئة المحامين داخل بنايتها، وذلك خرقا للمادة الرابعة من قانون المحاماة التي تنص على انه: ” يمارس المحامون مهنتهم في إطار هيئة المحامين المحدثة لدى كل محكمة استئناف.” باعتبار هيئة المحامين من مكونات المنظومة القضائية داخل محكمة الاستئناف، وليست مجرد هيئة ” في نفوذ دائرة المحكمة ” بتعبير المادة المذكورة.
اما محاولة تبرير هذه الخروقات الصارخة بالقول بان القانون المنظم لمهنة المحاماة قانون خاص يقدم على قانون التنظيم القضائي الذي هو قانون عام طبقا لمبدأ الخاص يقدم على العام، فهو تبرير نظري ولا أثر له على ارض الواقع.