جاء في الخطاب الملكي لافتتاح السنة التشريعية، أنه و “في إطار هذه القيم الوطنية، التي تقدس الأسرة والروابط العائلية، تندرج الرسالة التي وجهناها إلى رئيس الحكومة، بخصوص مراجعة مدونة الأسرة” كما أضاف الملك محمد السادس في نفس الخطاب “إن الأسرة هي الخلية الأساسية للمجتمع، حسب الدستور، لذا نحرص على توفير أسباب تماسكها” وأكد على أن “المجتمع لن يكون صالحا، إلا بصلاحها توازنها. وإذا تفككت الأسرة يفقد المجتمع البوصلة”.
وفي ظل النقاش المجتمعي الذي يعرفه موضوع تعديل مدونة الأسرة، وأيضا في ظل ما يفترضه هذا التعديل من نقاش مؤسساتي ينبني على تقاطبات أيديولوجية تراعي توازنات المجتمع، توقفت “فبراير” عند مقترحات وزير العدل السابق مصطفى الرميد بشأن تعديل مدونة الأسرة .
في هذا السياق قال وزير العدل السابق مصطفى الرميد من خلال تصوره بشأن تعديل مدونة الأسرة أن اختلاف المرجعيات والمقاربات، تؤدي بالضرورة إلى اختلاف في تقييم النصوص والمشاكل، كما تؤدي حتما إلى الاختلاف في طرح الحلول والبدائل.
وكما يوجد تيار محافظ حسب الرميد ينهل من أحكام الشريعة الاسلامية، لكنه يختلف في الفهم والتفسير، بين جمود وتجديد، وانغلاق واجتهاد. فان التيار الحداثي، يضم المعتدل والمتطرف، ويتنازعه التقدميون المتنورون، والتغريريون الاباحيون، لذلك فليس في الموضوع قول واحد ، الا ما سيقرره الملك بصفته أميرا للمؤمنين على ضوء ما سيرفع اليه من قبل اللجنة المعنية، بعد الاستماع إلى من يهمه الامر، مستعينة بالمجلس العلمي الاعلى، وكذا المجلس الوطني لحقوق الانسان، وما سيصادق عليه البرلمان بعد ذلك.
في الحاجة إلى الاستمرار في اعتماد سائر وسائل الاثبات في سماع دعوى ثبوت الزوجية
يوضح الرميد ان المادة 16من المدونة نصت على اعتبار عقد الزواج الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج، غير انه اذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الاثبات، وكذا الخبرة، وذلك في فترة انتقالية لا تتعدى خمس سنوات، ابتداء من تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ.
وقد اثبت الواقع العنيد حسب الرميد أن هذا المقتضى عاجز عن تأطير الحالة الاجتماعية المغربية، مما جعل المشرع يقوم بتمديد أجل الخمس سنوات مرتين، وقد انتهى العمل بهذا المقتضى بعد التمديد، في 04 فبراير2019، مع العلم ان الموضوع بقي معروضا على القضاء في صيغة دعاوى قضائية ،مما جعل القضاء يعتمد المادة 400 من المدونة، التي تنص على ان:( كل مالم يرد به نص في هذه المدونة يرجع فيه إلى المذهب المالكي ،والاجتهاد الذي يراعي فيه تحقيق قيم الاسلام في العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف )، وهو الاجتهاد الذي تبنته محكمة النقض في القول بسماع دعوى الزوجية بكافة وسائل الاثبات. لذلك يكون من الملائم حذف الفقرة الاخيرة من المادة 16، وذلك للأسباب التالية:
-عدم التوفر على الوثائق الإدارية اللازمة لتوثيق الزواج. -عدم الحصول على الاذن بالزواج المختلط. -عدم الحصول على الرخصة المطلوبة لزواج الموظف من الإدارة التي يشتغل بها.
-عدم توثيق رجعة الزوجين بعد طلاق.
-استيعاب حالات المواطنين الصحراويين العائدين المتزوجين دون عقد موثق، او بعقود شهدت عليها جهة لا يعترف المغرب بها.
في الحاجة إلى مقاربة زواج القاصربمنطق يراعي مصلحته الفضلى
يتعين الاشارة اولا إلى أن تعريف الطفل في الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي صادق عليها المغرب كما هو مبين اعلاه، تفيد في المادة الاولى ان الطفل هو كل انسان لم يتجاوز الثامنة عشرة، مالم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المطبق عليه..
وهكذا فانه بخلاف كل الادعاءات، يرى وزير العدل السابق أن لا تثريب على المشرع ان هو اخد بما يسمح بزواج ما دون سن الثامنة عشرة، اذا كان في ذلك مصلحة معتبرة للطفل.
لذلك نجد ان عددا كبيرا من دول العالم سواء منها العربية أو الغربية تسمح بزواج من هم دون الثامنة عشرة، وعلى سبيل المثال، ففي تونس، سن الزواج بالنسبة للفتى هو 20سنة، اما بالنسبة للفتاة ف17سنة، دون النص على حد ادنى لسن الزواج، ويكفي ان تأذن به المحكمة.
اما في الجزائر، فسن الزواج هو 19 سنة، دون حد أدنى للزواج الذي يأذن به القاضي ايضا.
وفي الاردن، اعتمد القانون سن 18سنة، على أن القاضي يمكن ان يأذن في زواج القاصر إلى غاية سن 15، ومثل ذلك سوريا والعراق.
وعلى صعيد الدول الأوربية فان كلا من: فنلندا والدانمارك واللكسمبرغ وهولندا تحدد سن الزواج في 18 سنة، لكنها تسمح بزواج من هم دون ذلك دون تحديد للسن الادنى، مع اشتراط اذن القاضي.
وبالنسبة لإسبانيا، فسن الزواج محدد في 18 سنة، لكن القاض ي يمكن ان يأذن لمن عمره يزيد عن 16 سنة.
اما كندا، فسن الزواج القانوني محدد في 16سنة دون السماح بزواج من هم اقل من ذلك.
واعتبر المتحدث أنه بالنسبة للمشرع المغربي فقد حدد سن الزواج في 18سنة، لكنه أسند لقاضي الاسرة سلطة الإذن بزواج الفتى أو الفتاة دون سن الثامنة عشرة، بمقرر معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك، بعد الاستماع لأبوي القاصر أو نائبه الشرعي ، والاستعانة بخبرة طبية أو إجراء بحث اجتماعي.
وتدل الاحصاءات الموثقة من قبل تقرير صادر عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية هذه السنة(2023 ) على أن المعدل السنوي عن خمس سنوات من2017الى سنة2021 ، لمجموع طلبات الإذن بالزواج بصفة عامة يقدر ب 235846 طلب، على أن المعدل السنوي لمجموع طلبات الإذن بالزواج الخاص بالقاصر خلال خمس سنوات المذكورة يبلغ:25678 طلب،قبل منها معدل سنوي بمقدار:11812طلب، وبالتالي تكون نسبة الطلبات المقبولة مقارنة بالطلبات المقدمة 46%فقط، كما ان نسبة طلبات الإذن بزواج القاصر من مجموع طلبات الإذن بالزواج تبقى في حدود 5.%
ويضيف الرميد أن هنالك دراسة تشخيصية هامة من انجاز رئاسة النيابة العامة، تفيد أن وراء هذه الظاهرة أسباب اجتماعية واقتصادية (الفقر والهشاشة) وثقافية( العادات والتقاليد)، إضافة إلى عدم الاستقرار الاسري (74،30من مجموع الفتيات المتزوجات بشكل مبكر من اوساط اسرية غير مستقرة)، هذا فضلا عن المستوى التعليمي المتدني عادة بالنسبة للبنت المتزوجة مبكرا إضافة إلى اسرتها، وهو ما يجعل شعار البنت مكانها المدرسة، وليس بيت الزوجية ، شعار فارغ اجوف، لان البنت التي تتزوج باكرا تكون قد غادرت الدراسة، وليست في الغالب هي تلك التي تغادر الدراسة من أجل الزواج.
لذلك يتعين التأكيد على أن الظواهر الاجتماعية الراسخة تعالج بالإجراءات والتدابير العميقة ، لكي تكون المعالجة ناجعة ومفيدة، في هذا الاطار، يتعين نهج سياسات اجتماعية واقتصادية للرفع من مستوى عيش الناس، بمحاربة الفقر والهشاشة، إضافة إلى منح الفتاة كل الظروف الملائمة، والوسائل الضرورية، لمتابعة دراستها، ابتداء من توفير الأدوات إلى النقل والاقامة وغيرها، هذا، مع العلم ان التوعية بكافة أشكالها ضرورية لتأهيل الأسر والفتيات انفسهن لاختيار الوقت المناسب للزواج صحيا ونفسيا واجتماعيا.
وهنا يجب التأكيد حسب الرميد على أن اعتماد المنع القانوني ليس كافيا للحد من الظاهرة، بل انه يؤدي إلى ما هو أسوأ، وهو الزواج غير الموثق الذي تضيع بسببه حقوق الزوجة القاصر، ومعها الابناء في كثير من الاحيان .
وهنا يشير الرميد إلى ان الذي جرى عليه العمل في العديد من محاكم المملكة هو التواطؤ على عدم تزويج من هي دون سن السابعة عشرة، وأحيانا السابعة عشرة والنصف، بسبب توجيهات رئاسية فوقية، وهو اجتهاد لا أساس له.
وجدير بالذكر ان مجلس المستشارين سبق أن صادق على مقترح قانون بتزكية من الحكومة سنة 2014، وقد حدد سن الزواج في18سنة، مع منح السلطة لقاض ي الاسرة للاذن بزواج القاصر، الذي يقل سنه عن ذلك، في حدود سن السادسة عشرة فقط، على ضوء خبرة طبية إضافة إلى بحث اجتماعي.
غير انه بعد احالة هذا المقترح على محلس النواب، تضاربت الآراء بشأنه، واختلفت الفرق النيابية، خاصة فرق الأغلبية ، مما عطل المسار الطبيعي للمصادقة.
لذلك، يبدو ان هذا الموقف المعبر عنه حكوميا وبرلمانيا حسب مصطفى الرميد ، هو الأقرب إلى الصواب، فهو من جهة يضع حدا للسلطة التقديرية التي قد تاذن بزواج الصغيرات من سن الرابعة عشرة ، وأن كان ذلك نادرا جدا، ومن جهة اخرى، يبقي على الباب مفتوحا أمام بعض الحالات النفسية والاجتماعية التي تملي هذا النوع من الزواج، في انتظار نضج الشروط الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها لإمكان مقاربة تشريعية اخرى.
وهذا، مع وجوب استحضار ان الامر يتعلق بمجتمع مسلم يفترض فيه تمجيد العفة، ونبذ الانحراف والرذيلة، مما يجعل الخير كل الخير بالنسبة للقاصر بنتا أو ابنا ، في الزواج اذا كان لابد منه، بالنسبة اليه، بدل ش يء اخر، كما هو شائع في الغرب من تسامح بهيمي مع ما يسمونه علاقات رضائية، حتى ولو كان طرفاها قاصرين، اذ ان البنت خير لها ان تحمل من زواج بدل الحمل من سفاح، ومثل ذلك يقال عن الفتى ايضا.
في الحاجة إلى ترشيد التعدد
قال وزير العدل السابق “لقد سبق أن أشرنا إلى أن الدين الإسلامي الذي يتبوا صدارة الهوية المغربية، يؤسس العلاقة بين الرجل والمرأة على أساس الزواج ، ولا شيء غيره، وذلك من خلال شكلين اثنين لا اكثر ، وهما الزواج بواحدة، أو الزواج باثنين او ثلاثة او اربعة، مع اشتراط العدل”.
وبناء عليه، فانه يحرم كافة أشكال العلاقات الاخرى، خاصة منها تعدد الخليلات، التي تمارس في كثير من الأحيان ، ودون حقوق او واجبات ،والتي عمت بها البلوى للأسف الشديد حسب الرميد.
وعوض الانتباه الى خطورة هذا النوع من العلاقات المحرمة، حسب نفس المتحدث، يتم التركيز على العلاقة الزوجية التعددية، مع العلم انها حلال شرعا، ومشروطة شرطا، ومحدودة عددا.
وهكذا، فان تقرير المجلس الأعلى للسلطة القضائية يفيدنا بأنه خلال خمس سنوات( من سنة2017الى سنة2021)تم تسجيل 20000طلب ، اي بمعدل 4000طلب سنويا، غير انها لم تحظ بالاستجابة الا في حدود اقل من 8000طلب، اي ان استجابة القضاء لطلبات التعدد تبقى في حدود 1600 حالة سنويا، في حين تم رفض أكثر من 12000طلب خلال الخمس سنوات المذكورة.
وبمقارنة عدد اذونات الزواج بالتعدد بعدد أذونات الزواج بصفة عامة، يتبين أنه لا يتجاوز، 0،66%، وهي نسبة محدودة جدا لاتصل إلى مستوى الظاهرة التي يتم حشد الأقلام لها، وإثارة النقع حولها.
ان المشكل هنا حسب الرميد ، ليس هو التعدد، وإنما الحالات التي تم رفضها خلال السنوات الخمس وعددها يزيد عن 12000حالة، ذلك ان العلاقة بين اللذين تم رفض طلب التعدد لهما تستمر دون توثيق الزواج كما يقع في كثير من الاحيان.
اذ من المعلوم ان الذين يطلبون توثيق زواجها أنما يفعلان ذلك بعد اطمئنانهما إلى بعضهما، وربما بعد تعلق الواحد بالآخر، وبالتالي، فانه يعسر عليهما تجاوز مشاعرهما، وعلاقتهما، في كثير من الاحيان، والتنكر لها، بمجرد اصدار القاض ي لحكمه الرافض لزواجهما، ولذلك يثور التساؤل عن مدى ملاءمة رفض توثيق الزواج في هذه الحالة، وعن حجم الضرر الذي يصيب المرأة في مثل هذه الاحوال.
لذلك حسب مصطفى الرميد تجد ان الذين يحاربون تعدد الزوجات، هم أنفسهم في الغالب من ينادونى بوجوب رفع التجريم عن العلاقات الجنسية الزنائية. اما الجمع بين التضييق على التعدد إلى درجة المنع المبطن، وتجريم العلاقات الزنائية، فيبقى حلا غير واقعي، كما هو ملاحظ في كل المجتمعات كيفما كان نوعها.