المرحلون قسرا من الجزائر: وجدنا أنفسنا مجبرين على ترك بيوتنا وأملاكنا صبيحة عيد الأضحى
في صبيحة عيد الأضحى عام 1975، لم يكن المغاربة المقيمون في الجزائر يتوقعون أن تتحول فرحة العيد إلى مأساة إنسانية ستظل محفورة في ذاكرتهم لعقود. في ذلك اليوم، وجد آلاف المغاربة أنفسهم مجبرين على ترك منازلهم وممتلكاتهم في قرار مفاجئ بالترحيل القسري.
“كنا جالسين في بيوتنا، لا ندري ما يحدث، حتى طرقوا علينا الباب وقالوا: ارحلوا أنتم مغاربة”، هكذا تستذكر إحدى الضحايا لحظة إبلاغها بقرار الترحيل، وتضيف بمرارة: “قالوا لنا ببساطة: اذهبوا إلى بلدكم، ملككم أخذ الصحراء، ولا يمكنكم البقاء هنا”.
كان اختيار توقيت الترحيل في عيد الأضحى صدمة إضافية للعائلات المغربية. تقول إحدى السيدات: “كان العيد وتركنا كل شيء معلقاً، بالله عليك يا ابنتي… لو كان لدينا هواتف نقالة حينها لصورناهم وهم يجبروننا على المغادرة، حتى الأضحية كانت معلقة ولم نكمل العيد سوى بيومين”.
لم يكن هؤلاء المغاربة مجرد مقيمين عابرين في الجزائر، بل كانوا جزءاً من النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد. يقول أحد المهجرين: “عشنا في الجزائر منذ زمن الاستعمار الفرنسي، عملنا هناك وكبرنا فيها، ومنذ استقلال الجزائر عام 1962 ونحن معهم، نعيش حياة مستقرة”.
وعن حجم المأساة، يروي شاهد عيان: “كان العدد كبيراً جداً، حوالي 45 ألف شخص. خرجنا جميعاً، وتركنا كل شيء وراءنا. خرجنا كأننا عراة، لا نملك إلا الملابس التي نرتديها”.
لم تقتصر المعاناة على الترحيل فحسب، بل تعرض البعض للسجن التعسفي. يقول أحد الضحايا: “أخي البوعيادي الحسين، رحمه الله، اعتقلوه وأبقوه أربعة أيام في السجن في الجزائر. ماذا فعلنا؟ هل كنا مجرمين؟ لم نرتكب أي جريمة”.
بعد الترحيل، بدأت رحلة معاناة جديدة. تقول إحدى الضحايا: “عندما وصلنا إلى وجدة، أقامونا في مكان أشبه بمخيم لمدة أسبوع”. وتضيف: “تشتتنا في مختلف المدن المغربية، البعض ذهب إلى الناظور، والبعض إلى الدار البيضاء، وأنا انتقلت إلى منطقة رشيدية”.
بعد مرور عقود على هذه المأساة، لا تزال آثارها مستمرة في حياة المهجرين. يقول أحدهم: “حتى اليوم، ورغم أنني تجاوزت الخامسة والستين، لا أزال أعيش في منزل مستأجر”. ويضيف آخر: “عشت في مساكن صفيحية لمدة 26 سنة”.
يشدد المرحلون على أن قضيتهم لم تكن مجرد ترحيل عادي، بل تهجيرا قسريا ظالماً. يقول أحدهم: “لماذا طردونا بهذه الطريقة؟ كنا نعمل في الزراعة ونمتلك أراضينا بشكل قانوني. لماذا لم يطردونا قبل العيد مثلاً؟”.
ويضيف: “كل ما كنا نملكه كان موثقاً بالأوراق الرسمية”.