رفض المجلس العلمي الأعلى إلغاء قاعدة التعصيب في الميراث ضمن مراجعة مدونة الأسرة، مؤكدًا أن هذا الحكم الشرعي يرتكز على نصوص قطعية في القرآن الكريم والسنة النبوية لا تقبل الاجتهاد.
ويأتي هذا القرار في سياق نقاش وطني واسع حول تعديل مدونة الأسرة لمواكبة التحولات الاجتماعية، حيث تم عرض سبع عشرة نقطة على المجلس العلمي الأعلى للنظر في مدى توافقها مع الشريعة الإسلامية.
إلغاء التعصيب، الذي يعني انتقال ما تبقى من التركة بعد أخذ أصحاب الفروض حقوقهم إلى أقرب العصبات من الذكور، يعتبر من القضايا المثيرة للجدل، إذ يرتكز على قواعد واضحة وصريحة في الشريعة.
ويستند المجلس العلمي الأعلى في رفضه إلى أن النصوص القرآنية المتعلقة بالميراث جاءت بعبارات قطعية الوضوح والثبوت، مثل قوله تعالى: “للذكر مثل حظ الأنثيين”، مما يجعل أي محاولة لإعادة النظر فيها تخرج عن نطاق الاجتهاد الشرعي.
وأوضح وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، أن رأي المجلس العلمي الأعلى جاء مطابقًا مع أغلب التعديلات المقترحة، إلا أنه رأى استحالة التوافق مع بعض النقاط التي تتعارض مع الأحكام القطعية.
في سياق الجلسة التي ترأسها الملك محمد السادس بالقصر الملكي بالدار البيضاء، قدم التوفيق عرضًا أوضح فيه أن المجلس العلمي الأعلى تعامل مع القضايا المعروضة عليه وفق مقاربة شرعية دقيقة.
ورغم موافقة المجلس على معظم التعديلات، برزت ثلاث نقاط خلافية رفضها بشكل قاطع، وهي إلغاء التعصيب، استخدام الخبرة الجينية لإثبات النسب، والسماح بالتوارث بين المسلم وغير المسلم.
وفيما يتعلق بالتعصيب، أكد العلماء أنه جزء لا يتجزأ من النظام الشرعي للميراث، حيث يعتمد على تحقيق العدل والتوازن في توزيع التركة، وفق ما أقرته النصوص الدينية.
القرار أثار جدلاً واسعًا في الأوساط المغربية، حيث اعتبره البعض تأكيدًا على احترام الثوابت الشرعية التي تشكل جزءًا من الهوية الدينية والثقافية للمملكة. وفي المقابل، يرى آخرون أن الحاجة إلى تحديث مدونة الأسرة تستوجب مراجعة بعض الأحكام بما يتماشى مع متطلبات العصر.
ورغم هذا الخلاف، تظل المملكة ملتزمة بنهجها القائم على الجمع بين الشرع ومتطلبات المجتمع، حيث فوض المجلس العلمي الأعلى القرار النهائي للملك محمد السادس، باعتباره أمير المؤمنين والحامي للثوابت الدينية.
الملك محمد السادس، المعروف برؤيته المتبصرة، يقود هذا النقاش حسب عدد من الفاعلين بحكمة تضمن التوازن بين الحفاظ على الأسس الشرعية والاستجابة للتحولات الاجتماعية.
ويعكس هذا النقاش النموذج المغربي في معالجة قضايا الأسرة، حيث يُفتح المجال لحوار بناء يهدف إلى تحقيق المصلحة العليا للوطن والمواطنين. ومع ذلك، يظل إلغاء التعصيب قضية محورية تعكس التحديات المرتبطة بمواكبة العصر دون المساس بثوابت الشريعة الإسلامية.
القرار بشأن التعصيب حسب عدد من المختصين لا يعكس فقط موقفًا دينيًا، بل أيضًا تصورًا أوسع حول العلاقة بين التشريع والدين في المغرب.