قدّم الباحث في السياسات الرياضية منصف اليازغي، خلال ندوة تناولت العلاقة بين المونديال والتنمية، قراءة معمّقة لمختلف الأبعاد التي تحيط بتنظيم كأس العالم، معتبرًا أن هذا الحدث لا يقتصر على كونه تظاهرة رياضية، بل هو مشروع تنموي شامل يتطلب انخراطًا حكوميًا وتخطيطًا استراتيجيًا محكمًا.

استهل اليازغي مداخلته بالإشارة إلى التغيير الجوهري الذي طرأ على تعاطي الفاعلين السياسيين مع الرياضة، موضحًا أن البرلمان والأحزاب السياسية لطالما تعاملوا مع الشأن الرياضي بغياب الجرأة اللازمة، حيث لم يكن هذا القطاع حاضرًا في النقاشات السياسية إلا بشكل عرضي، وغالبًا عبر أسئلة برلمانية محدودة لا تعكس رؤية استراتيجية حقيقية.

إلا أن التطورات الأخيرة، وخاصة فوز المغرب بتنظيم مونديال 2030، جعلت الجميع حسب المتحدث  ينخرط في هذا المشروع الوطني، نظرًا لما يحمله من رهانات سياسية واقتصادية كبرى.

وأكد اليازغي أن كأس العالم ليس مجرد ملف رياضي أو اختصاص قطاعي، بل هو مشروع يشرف عليه الملك محمد السادس مباشرة، ما يعكس أهميته الاستراتيجية بالنسبة للمملكة، ويجعل مختلف الفاعلين الحكوميين والمؤسساتيين ملزمين بالتنسيق لضمان تحقيق أهدافه التنموية.

عاد اليازغي إلى أول محاولة للمغرب لاستضافة كأس العالم سنة 1994، مشيرًا إلى أن هذه التجربة شكلت منعطفًا هامًا في الرهان على الرياضة كوسيلة للتموقع الدولي. فبعد أن كان المغرب يواجه صعوبات في فرض نفسه اقتصاديًا وسياسيًا، استطاع من خلال كرة القدم أن يقف ندًّا لندّ أمام قوى عالمية كبرى، وهو ما يعكس الدور الاستراتيجي للرياضة في تعزيز مكانة الدول على الساحة الدولية.

وأشار إلى أن الملك الراحل الحسن الثاني أدرك مبكرًا قيمة الرياضة كواجهة لإبراز صورة المغرب خارجيًا، حتى في ظل تحديات اقتصادية صعبة، حيث ربط بين الطموح لتنظيم المونديال والسياق الاقتصادي المتأزم الذي كانت تعيشه المملكة، خصوصًا مع خطاب “السكتة القلبية” سنة 1995، الذي تزامن مع تدابير برنامج التقويم الهيكلي.

وذهب الباحث إلى أن هذا الرهان لا يزال قائمًا اليوم، معتبرًا أن المغرب قد ينجح في تحقيق ما فشل فيه السياسي والاقتصادي عبر بوابة الرياضة، خاصة أن الالتزامات الدولية المفروضة من قبل الفيفا ستدفع المسؤولين إلى تنفيذ مشاريع تنموية لم يكن تحقيقها ممكنًا بالوتيرة نفسها في سياقات أخرى.

سلط اليازغي الضوء على دراسة نشرها محمد الشقيري سنة 2004، والتي أشارت إلى أن المغرب، من خلال الاستعداد لاستضافة كأس العالم، يمكنه تحقيق ما يعادل 14 سنة من التنمية خلال 6 سنوات فقط، بفضل الدينامية الاقتصادية والاستثمارية التي تواكب مثل هذه التظاهرات الكبرى.

وعلى عكس بعض التجارب الإقليمية، أوضح أن المغرب لا ينظم من أجل التنظيم فقط، كما تفعل بعض الدول المجاورة، بل يسعى إلى خلق تنمية موازية عبر استثمار البنية التحتية الرياضية في تعزيز التنمية المحلية وجذب الاستثمارات.

أبرز اليازغي المخاطر المرتبطة بإنشاء وتحديث الملاعب، مستعرضًا تجارب دول مثل جنوب إفريقيا والبرازيل وروسيا، التي وجدت نفسها بعد المونديال أمام منشآت ضخمة غير مستغلة، مما دفع بعضها إلى هدم بعض الملاعب بسبب تكاليف الصيانة الباهظة.

وفي هذا السياق، اعتبر أن التحدي الأساسي أمام المغرب لا يكمن في عدد الملاعب أو كلفة بنائها، بل في كيفية استثمارها بعد المونديال، مستشهدًا بتجربة قطر، التي وضعت استراتيجية استباقية لضمان استغلال ملاعبها بعد كأس العالم 2022، عبر تنظيم بطولات قارية ودولية متتالية للحفاظ على مردوديتها الاقتصادية.

وأشار إلى أن الملعب الوحيد الذي قد يشكل تحديًا في المغرب هو ملعب بنسليمان، نظرًا لموقعه خارج المجال الحضري، مما يستوجب إيجاد حلول مبتكرة لاستغلاله بعد المونديال، عكس الملاعب الأخرى التي ستتم إعادة تأهيلها داخل مدن رئيسية ذات كثافة سكانية مرتفعة.

وتناول اليازغي مفهوم “القوة الناعمة” المرتبط بالرياضة، مستشهدًا بمقولة الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1997، حين قال: “العالم عرف المغرب عن طريق عويطة أكثر مما عرفه عبر تاريخه السياسي المتواضع”، في إشارة إلى أن التأثير الثقافي قد يكون أقوى من الوسائل التقليدية للترويج لصورة الدولة.

وانطلاقًا من هذا المفهوم، أكد اليازغي أن مونديال قطر لم يتم استثماره بالشكل الأمثل إعلاميًا وثقافيًا، حيث كان بالإمكان تحقيق مكاسب كبرى على مستوى السينما والفنون والاقتصاد الاجتماعي، متسائلًا كيف كان المغرب سيوظف هذا الحدث لو تحقق الإنجاز ذاته على أرضه؟

وأشار إلى أن المغرب أمام فرصة تاريخية مع مونديال 2030، وينبغي أن يستثمر هذا الحدث ليس فقط كحدث رياضي، بل كأداة دبلوماسية وثقافية قادرة على تعزيز الصورة الدولية للمملكة واستقطاب مزيد من الاهتمام العالمي بوسائل الجذب وليس وسائل الإكراه، على حد تعبيره.

واختتم، اليازغي أن المغرب سيستفيد بشكل كبير من التنظيم المشترك لكأس العالم 2030، لكنه شدد على أن الرهان الحقيقي لا يكمن في التنظيم في حد ذاته، بل في كيفية استثماره وتحويله إلى رافعة تنموية دائمة، مشددًا على ضرورة اعتماد رؤية استراتيجية متكاملة تجمع بين البنية التحتية، والسياسات الاقتصادية، والترويج الثقافي والإعلامي، لضمان تحقيق مكاسب مستدامة تتجاوز الحدث الكروي نفسه.

السمات ذات صلة

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store