شهدت عدة مناطق في المغرب خلال الساعات الأخيرة، اجتياحًا واسعًا لأسراب من الجراد، ما أثار حالة من الاستنفار بين سكان والفلاحين الذين يعتمدون بشكل أساسي على النشاط الزراعي كمصدر رزقهم، حيث خلقت الظاهرة مخاوف حقيقية بشأن تأثيراتها المحتملة على المحاصيل الفلاحية والغطاء النباتي، خاصة في ظل الظروف المناخية التي تسهم في انتشار الحشرات بسرعة أكبر.
وفي هذا السياق كشف الخبير البيئي ورئيس جمعية المنارات الإيكولوجية للتنمية، مصطفى بنرامل، بأن سرب الجراد يتكون من ملايين الحشرات، يمكنه السفر بسرعة، إذ يقطع مسافة 150 كيلومترًا (أكثر من 93 ميلًا) يوميًا، ويلتهم المحاصيل وأوراق أشجار الحمضيات والمراعي في طريقه. وقد يكون من الصعب القضاء على هذا الهدف سريع الحركة باستخدام مبيدات حشرية كافية. عندما تهبط، قد تُسبب دمارًا شبه كامل. فقد تُدمر ما بين 50% و80% من المحاصيل، حسب الموسم.
وأضاف، بأن السرب الواحد من أسراب الجراد يغطي مساحة تقدر 1200 كيلومتر مربع، ويحتوي الكيلومتر المربع الواحد على ما بين 40-80 مليون فردا من أفراد الجراد، وهذا يقدر ب 95000 طن من حيث الوزن (يعني أن السرب الواحد يحتوي على ما يزيد على 45 بليون جرادة). قي حين سربًا بمساحة كيلومتر مربع واحد فقط – أي حوالي ثلث ميل مربع – يمكن أن يستهلك كمية من الطعام تعادل ما يأكله 35 ألف شخص (أو ستة أفيال) في يوم واحد.
كما يمكن أن يكون سرب واحد من الجراد صغيرًا (مئات الأمتار المربعة) أو ضخمًا، يتألف من مليارات الجراد، بما يصل إلى 80 مليونًا لكل كيلومتر مربع على مساحة تزيد عن 1000 كيلومتر مربع. في يوم واحد، يمكن لسرب من الجراد أن يطير لمسافة 100 كيلومتر في اتجاه الرياح السائدة. يمكن أن تسير أسراب الحوريات حوالي 1.5 كيلومتر يوميًا.
واسترسل المتحدث ذاته، بأن الجراد يلتهم في الكيلومتر الواحد من السرب حوالي 100 ألف طن من النباتات الخضراء في اليوم، وهو ما يكفي لغذاء نصف مليون شخص لمدة سنة (الجرادة تأكل 1.5-3 جرام – والكيلومتر المربع منه يحتوي على 50 مليون جرادة على الأقل)، وتتغذى الحشرات على الأوراق والأزهار والثمار والبذور وقشور النبات والبراعم وبصفة عامة يصعب تقدير الأضرار التي يسببها الجراد بسبب طبيعة الهجوم العالية، حيث تعتمد الأضرار على المدة التي سيبقى بها الجراد في المنطقة الواحدة وحجم الجراد ومرحلة المحصول. عملية المسح المستمر ضرورية جدا لمراقبة الأعداد الحالية للجراد حتى يمكن تحديد طرق المكافحة المناسبة ·
وبخصوص مكافحة الجراد بين تحديد الوقت والآلية المناسبة، أوصح بنرامل بأنه يتم استخدام برنامج ذكاء اصطناعي آخر، يُعرف باسم كوزي، في إثيوبيا والصومال وكينيا وأوغندا، حيث يتتبع برنامج كوزي الجراد من خلال جمع بيانات الأقمار الصناعية لرطوبة التربة والرياح والرطوبة ودرجات حرارة السطح ومؤشر الغطاء النباتي، والتي تُستخدم بعد ذلك لحساب مؤشر تكاثر الجراد، والذي يُساعد في تنبيه المزارعين إلى ولادة أسراب الجراد قبل ثلاثة أشهر، وفقًا لما أوضحه جون أوروكو، الرئيس التنفيذي لشركة كوزي.
بينما تُحقق عملية التتبع أفضل النتائج عند تحديد موقع الجراد وهو لا يزال في طور “القفز”، أي صغاره غير القادرة على الطيران. بمجرد رصده، يُمكن للمزارعين ومسؤولي مكافحة الجراد القضاء عليه بسهولة على الأرض ليلًا أو في الصباح الباكر عندما يكون الجو باردًا ومستوى طاقة الحشرات منخفضًا.
في كل دولة على حدة، يصعب نقص التمويل وتضارب الأولويات والتحديات الداخلية وضع استراتيجية طويلة المدى لمكافحة الآفات. ونظرًا لتذبذب أعداد الجراد، وإذا لم يتم تنفيذ استراتيجية فعالة للوقاية بشكل مستدام في جميع أنحاء المناطق التي تشكل مواطن دائمة للجراد الصحراوي. سيؤدي إلى تعريض أكثر من 65 دولة إفريقية وآسيوية لكوارث شديدة في المجالات الزراعية والغذائية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية وحتى السياسية.
لكن المعرفة المتاحة حاليا بالإيكولوجيا الحيوية وديناميكيات الجراد، والفرص التي توفرها التقنيات وصور القمر الصناعي ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS) والتكنولوجيات الحديثة لجمع البيانات وتحليلها ونقلها، تمكن من إجراء استراتيجية المكافحة الوقائية بطريقة علمية وفعالة.
في حين، يُعد نقص التمويل في معظم البلدان المتضررة من الجراد عائقًا رئيسيًا أمام حماية المحاصيل من غزوات الجراد وإجراء التدخلات المبكرة في مناطق التكاثر، لكن تفاقم الهشاشة والصراع والعنف الأزمة، في شرق أفريقيا وأجزاء من شبه الجزيرة العربية، تُقيّد ظروف الهشاشة والصراع والعنف داخل حدود بعض الدول المتعاملة معها.
كما أن الظواهر الجوية المتطرفة الناجمة عن تغير المناخ، كالأمطار الغزيرة المستمرة وارتفاع درجة الحرارة وتتوفر الغطاء النباتي، يمكن أن تزيد من كثافة أسراب الجراد وأعدادها.
وقد أدى ذلك إلى نمو نباتي مفرط وفر الكثير من الغذاء لتجمعات الجراد لتنفجر وتتكاثر. وقد مكنت إجماليات هطول الأمطار التي كانت حوالي 400 ملم فوق المتوسط في شرق إفريقيا في خريف عام 2024 و2025 تجمعات الجراد من التحرك بعيدًا وبسرعة إلى تلك المنطقة.
وفيما يتعلق بمكافحة أسراب الجراد بين الطرق الكيماوية والبيولوجية، أشار بنرامل الى أن مدى عمر الجراد مكتمل النمو الفردي يتراوح ما بين شهرين ونصف إلى خمسة أشهر (وإن كان قد أمكن الاحتفاظ ببعضه في أقفاص لمدة سنة) وبصفة عامة تعتمد مدة الحياة على الوقت المستغرق لاكتمال النمو من الناحية الجنسية، فإذا أكتمل النمو سريعا أصبح طول الحياة الكلى قصير.
ويخشى الخبراء من أن تصبح أسراب الجراد أكثر شيوعًا مع ارتفاع درجة حرارة المحيطات والعواصف الاستوائية المتكررة وتساقط الأمطار في الصحراء التي تخلق ظروفًا مواتية للتكاثر وتزايد أعدادها بشكل سريع.
تُجرى عمليات المكافحة، سواءً باستخدام الطائرات أو الشاحنات أو الرشاشات المحمولة على الظهر، عادةً قبل الساعة التاسعة صباحًا، أي قبل بدء تحليق أسراب الجراد خلال النهار، أو بعد استقرارها مساءً.
لأن الجراد يضع بيضه بمجرد بدء طيرانه، فإن التتبع المبكر للأسراب سيمكّن مسؤولي والمزارعين من مكافحة الجراد في المنطقة من تتبع مسار طيرانه والبحث عن بيض يمكن إبادته قبل فقسه. وهذا من شأنه أن يُسهم في الحد من أسراب الجراد المُدمرة في المستقبل.
هناك عمومًا 3-5 أجيال في السنة، غالبًا ما يشكل الجراد مجموعات كثيفة من الحوريات غير القادرة على الطيران وأسرابًا من البالغين المجنحين الذين يمكن أن يدمروا المناطق الزراعية.
تجدر الإشارة إلى أن المبيدات الكيميائية السامة يمكن أن تنتقل لمسافات طويلة عبر الجريان السطحي، ملوثةً مصادر المياه التي تتدفق إليها، ويمكن لبعضها أن يتسرب إلى مصادر المياه الجوفية، مسببًا تلويثها في النهاية، ومقللًا من المياه العذبة المتاحة للاستخدام، وبعضها، مثل الدلتاميثرين، المستخدم بكثرة، لديه القدرة على الإضرار بالنحل (العنصر الأساسي في إنتاج الغذاء)، والأسماك.” وأصبح الاعتماد على مبيدات حشرية أكثر انتقائية وأقل ثباتًا (مثل الملاثيون، والكلوربيريفوس، والفينيتروثيون، والكارباريل، واللامدا سيهالوثرين، غالبًا بتركيبات منخفضة الحجم للغاية، مع استخدام تركيبات أخرى أيضًا، مثل المركزات القابلة للاستحلاب، والغبار، والمساحيق القابلة للبلل) هو القاعدة.
وأكد بنرامل على أنه يُحظر في العديد من الدول بتوصية من منظمة “الفاو” رش المبيدات الحشرية السامة على الفواكه أو الخضراوات المخصصة للاستهلاك البشري، لذا يستخدم المزارعون في كثير من الأحيان طائرات الهليكوبتر لرش أسراب الحشرات الطائرة ودفعها إلى مساحات غير مزروعة، حيث يمكن رش الحشرات وترك جثثها لتتحلل على أرض مفتوحة.
وكشف الخبير البيئي بأن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) توصي برش مبيدات حيوية فطرية للقضاء على أسراب الجراد، وتستخدم جنوب أفريقيا حاليًا مبيدات كيميائية.
وتوجد أعداء طبيعية للمكافحة البيولوجية، بما في ذلك الدبابير والذباب المفترسة والطفيلية، ويرقات الخنافس المفترسة، والطيور، والزواحف، ولكن من السهل التغلب عليها بسبب الحجم الهائل لمعظم الأسراب والمجموعات.
وفي السياق ذاته، أكدت وزارة الداخلية، أمس السبت 29 مارس 2025، أن كافة القطاعات المعنية والمصالح المختصة عملت، في إطار تتبع التطورات المرتبطة بانتشار هذه الحشرة ببعض البلدان المجاورة، خصوصا بمنطقة الساحل الإفريقي وشمال غرب إفريقيا، مع ما يرافق ذلك من احتمالات واردة بتحرك بعض الأسراب شمالا، على الرفع من درجات اليقظة والتعبئة والتأهب لمواجهة كل التحديات المتعلقة بانتشار هذا النوع من الحشرات.
وأوضحت الوزارة، في بلاغ لها، أنه تم مؤخرا رصد أسراب لهذا الجراد، على نطاق محصور وضمن أعداد محدودة، ببعض المناطق جنوب-شرق المملكة، مما استدعى اتخاذ الإجراءات الوقائية الضرورية للتصدي لكافة الاحتمالات والتطورات الواردة.
وسجل البلاغ أنه فيما تبقى الأوضاع تحت السيطرة وغير مدعاة للقلق في الوقت الراهن، فقد تم ضمن سلسلة التدابير الاستباقية والإجراءات التفاعلية إعادة تفعيل مراكز القيادة بمجموع الأقاليم المعنية بهدف متابعة تطور الوضع واتخاذ الإجراءات اللازمة، بما في ذلك تعبئة كافة الموارد، ووضع جميع الوسائل في حالة تأهب للتدخل عند الضرورة، وتشكيل فرق للتدخل مكلفة بعمليات الاستطلاع والرصد ومكافحة الجراد مجهزة بالآليات والمعدات والمبيدات، مع تسخير كل الوسائل اللوجستيكية بما فيها الجوية.
وبهذا الخصوص، تضيف الوزارة، وجب التأكيد على توافر المخزونات الكافية من المبيدات لمواجهة أي طارئ، مع اتخاذ فرق التدخل لمختلف الاحتياطات اللازمة لحماية الأنظمة البيئية والحفاظ على التنوع البيولوجي للأوساط الطبيعية وصون مواردها المائية والنباتية والحيوانية.
وشددت الوزارة على أن كل المصالح والقطاعات المعنية ستظل مجندة لتعزيز عمليات التتبع والاستطلاع والرصد خاصة في المناطق التي تشهد تكتلا طبيعيا للجراد، واتخاذ مختلف التدابير الكفيلة بالحد من انتشاره والقضاء عليه.