في خضم الجدل المتواصل حول واقع التعددية الحزبية في المغرب، تبرز ظاهرة الانشقاقات السياسية كعلامة مألوفة أكثر من كونها استثناء، في مشهد يعكس أزمة أعمق من مجرد خلافات تنظيمية أو صراعات زعامات.
فكلما خمدت موجة من الانشطار الحزبي، عادت أخرى تحت لافتة “التجديد” أو “تصحيح المسار”، دون أن يلمس الرأي العام فرقًا نوعيًا في البدائل المطروحة، أو في القواعد التي تُنتج بها هذه الكيانات الجديدة.
والمثير في هذه الظاهرة، التي تقدم في الغالب كتمرين ديمقراطي أو تعبير عن الحيوية السياسية، هو أنها لا تفضي في النهاية إلا إلى مزيد من التشظي، وإلى إنتاج أحزاب صغيرة، محدودة التأثير، تشتغل على هامش الفعل السياسي، وتزيد من ضبابية المشهد.
وقد خلص عدد من الباحثين والمحللين إلى أن هذه الدينامية لا تترجم تحولا ديمقراطيا، بل تعكس استمرار أزمة بنيوية في بنية النظام الحزبي المغربي.
وفي هذا السياق، اعتبر الباحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية حمزة الكندي، في تصريح لموقع “فبراير.كوم”، أن الانشقاقات المتكررة لم تعد تعبيرًا عن خلاف فكري أو تحوّل إيديولوجي، بل باتت في كثير من الأحيان محكومة بصراعات مواقع داخل التنظيمات الأصلية. وأوضح أن ما يجري غالبًا هو “تفريخ لأحزاب بدون مشروع”، و”إعادة إنتاج لنفس الأعطاب التي دفعت للانفصال”، مضيفًا أن هذه الكيانات الوليدة تفتقد لقاعدة مجتمعية حقيقية، ولا تملأ أي فراغ سياسي فعلي.
وأكد الباحث أن هذه الانشطارات، عوض أن تخلق دينامية سياسية جديدة، تنتهي إلى نوع من التكرار الممل، حيث يُعاد إنتاج نفس الخطاب، بنفس الوجوه، ونفس الآليات، ما يطرح أسئلة جوهرية حول شروط العمل الحزبي في المغرب، وقدرة القانون المنظم للأحزاب على ضبط المسار الديمقراطي وتأطير التعددية بشكل فعّال.
واعتبر الكندي أن هذه الفوضى العددية تضعف الوساطة الحزبية، وتساهم في اتساع فجوة الثقة بين المواطنين والأحزاب، بل إن كثرة التنظيمات أصبحت عائقا أمام وضوح البرامج وتمايز الاختيارات، في ظل هيمنة النزعات الشخصية على الطابع المؤسسي للعمل السياسي.
من جهة أخرى، تطرح هذه الوضعية إشكالات قانونية وتنظيمية، إذ يُلاحظ أن الإطار التشريعي المنظّم لتأسيس الأحزاب لا يضع معايير صارمة تضمن بروز تنظيمات قوية ومتجذّرة، بل يفتح المجال أمام قيام كيانات هشة لا تستمر غالبًا إلا بفضل الدعم العمومي، وتغيب عن الفعل السياسي الحقيقي، ولا تظهر إلا في موسم الانتخابات.
في المحصلة، تكشف موجة الانشقاقات التي يعرفها المشهد الحزبي عن خلل عميق في العلاقة بين الأحزاب والمجتمع، وعن أزمة في الثقافة السياسية داخل التنظيمات، أكثر من كونها علامة على الحيوية الديمقراطية.
وهو ما يضع البلاد أمام تحدٍ حقيقي، يقتضي ليس فقط تقنين التعددية، بل إعادة النظر في شروط إنتاج الفعل الحزبي، وربط شرعية الأحزاب بمدى حضورها المجتمعي وقدرتها على تجديد الخطاب والممارسة، لا بتكرار الانقسامات.