في ندوة نظمتها مؤسسة الفقيه التطواني، قدم الكاتب والمفكر أحمد عصيد تحليلاً معمقاً للصور الذهنية أو “التمثلات الاجتماعية” التي تشكل فهم المواطنين المغاربة للسياسة.
واستهل عصيد كلمته بالإشادة بجهود المؤسسة في إثراء النقاش العمومي الذي يمر بمرحلة وصفها بـ”التراجع والضعف”، مؤكداً على ندرة “التفكير في السياسة كفعل وأفق ورؤية ومفاهيم” في زمن طغى فيه الاهتمام بتفاصيل السياسة اليومية وتقنياتها، مما أنتج “أزمة حقيقية” في هذا المضمار.
وأوضح عصيد أن “التمثلات الاجتماعية”، التي تعني كيفية إدراك وفهم موضوع معين من قبل المواطنين، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقيم والمعايير السائدة، وتمثل “نسخة معاصرة للحس المشترك” الذي تحدث عنه الفلاسفة.
وشدد على التأثير البالغ لهذه التمثلات على الوعي والسلوك الفردي والجماعي؛ فهي إما أن تكون قوة دافعة للتطور والمشاركة حين تكون إيجابية ومتناغمة مع التحولات المجتمعية، أو أن تتحول إلى “عوائق أمام التنمية” إذا كانت سلبية أو مناقضة لهذه التحولات، مستدلاً على ذلك بنفور الشباب من الأحزاب والنقاشات التي صاحبت مراجعة مدونة الأسرة، حيث برزت التمثلات التقليدية حول المرأة كعقبة.
وعزا عصيد جذور هذه التمثلات السلبية السائدة حول السياسة في المغرب إلى “علاقة مختلة بين الدولة والمجتمع”، ناجمة عن “عدم اكتمال البناء الديمقراطي” و”غياب تعاقد اجتماعي واضح ونهائي وحاسم”.
هذا الوضع، بحسب المفكر، هو ما أدى إلى سيادة مناخ من القلق وانعدام الثقة، وساهم في تشكل هذه التمثلات في ظل “السلطوية وثقافة الخوف من مفهوم السياسة ذاته”.
وحدد عصيد ثمانية تمثلات رئيسية تشوه صورة السياسة في الذهنية المغربية. أولها، اعتبار السياسة مرادفاً للكذب والانتهازية الشخصية والحزبية التي لا تخدم الصالح العام، بسبب عدم وفاء السياسيين بوعودهم. وثانياً، الربط الوثيق بين السياسة والفساد المالي، مما خلق “رهاب السرقة والاختلاس” وصورة نمطية عن السياسي كـ”مختلس للمال العام”، محذراً من أن هذا التصور قد يُستغل لتقويض دور المجتمع المدني في المراقبة والمحاسبة.
التمثل الثالث، بحسب عصيد، هو النظر إلى السياسة كنوع من الإلهاء أو “المسرحية” التي تجري أحداثها أمام الجمهور دون أن تكون حقيقية، مع اعتقاد بأن خيوطها تُحرك من وراء ستار وأن نتائجها معدة سلفاً. أما التمثل الرابع، فهو فهم السياسة كأداة للإخضاع والإكراه والسيطرة على المجتمع، بدلاً من كونها تدبيراً عقلانياً للمؤسسات والشأن العام.
ويأتي التمثل الخامس ليصور السياسة الفعلية على أنها قرارات فوقية وآليات تتحكم من الأعلى إلى الأسفل، ولا تنبع من تطلعات القاعدة الشعبية، وهو ما يتجلى في سعي المواطنين لتسليم رسائلهم مباشرة إلى رئيس الدولة كدليل على عدم الثقة في المؤسسات الوسيطة. وسادساً، هناك تمثل السياسة كساحة للنزاع والصراع والعنف والمواجهة، وهو تصور يتغذى من مشاهد الصراعات السياسية الحادة والعنف الذي قد يصاحب بعض الاستحقاقات الانتخابية، خاصة في العالم القروي.
أما التمثل السابع، فيشير إلى الاعتقاد بأن السياسة هي “شأن يخص بعض النخب” فقط، وأن المواطن العادي غير معني بها، حيث لا يربط بين الشعارات السياسية المرفوعة وبين مصالحه وحقوقه اليومية. وأخيراً، التمثل الثامن الذي يبرز بشكل خاص لدى بعض الشباب، وهو النظر إلى الانخراط في السياسة الحزبية كوسيلة للتوظيف وتحقيق الترقي الاجتماعي، وليس من منطلق الاقتناع بمبادئ أو برامج.
وختم عصيد بالإشارة إلى أن هذه التمثلات السلبية المتجذرة تتطلب معالجة شاملة تبدأ بتعزيز المسار الديمقراطي، وإعادة بناء جسور الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتشجيع التفكير النقدي البناء في الشأن السياسي.