يأخذنا الفنان الكاميروني العالمي بارتليمي طوغو في رحلة عبر أربعة عقود من الترحال والفن، مسيرة بدأت برغبة طفل في التاسعة من عمره في اكتشاف ما وراء قريته، وانتهت برسالة فنان ناضج يرى في العودة إلى أفريقيا ومشاركة تجربته واجباً مقدساً.
وُلد طوغو في الكاميرون عام 1967، حسب قوله خلال فعاليات كناوة التي نظمت بالصويرة، بعد سبع سنوات فقط من استقلال بلاده. ومنذ نعومة أظافره، كان دافع “الرحيل والتحرك” هو المحرك الأساسي لحياته. تنقل في طفولته داخل الكاميرون، من موطنه في منطقة الباميليكي إلى مدن مثل دوالا وسانغميليما، مكتشفاً في كل محطة لغة جديدة وثقافة مختلفة. هذه التجارب المبكرة زرعت فيه بذرة الفضول التي ستغذي فنه طوال حياته.
في سن الثامنة عشرة، مدفوعاً بواقع اقتصادي مرير حيث كان إخوته الجامعيون يبيعون الماء في الشوارع، قرر طوغو مغادرة الكاميرون. كانت وجهته الأولى أبيدجان في ساحل العاج، حيث وصل وفي جيبه 200 فرنك فقط. هناك، أمضى أربع سنوات في تكوين فني “كلاسيكي وأكاديمي للغاية”، لكن روحه التواقة لم تكتفِ بذلك.
من هنا، بدأت رحلته الأوروبية التي صقلت هويته الفنية بشكل جذري. بعد رفضه من مدرستين للفنون في فرنسا، تم قبوله في مدرسة غرونوبل الطليعية. كانت تجربة صادمة في البداية، حيث أُجبر على العودة إلى السنة الثانية، لكنها سرعان ما تحولت إلى نقطة تحول. في غرونوبل، اكتشف طوغو الفن المفاهيمي، وتعرف على أعمال فنانين مثل مارينا أبراموفيتش وجوزيف كوسوث، وبدأ في استخدام الكمبيوتر والفوتوشوب، ليدرك أن “الفن في الرأس، إنه روحاني ونظري”.
لم تتوقف رحلته عند هذا الحد، بل قادته إلى أكاديمية دوسلدورف للفنون في ألمانيا، معقل الفنان الأسطوري جوزيف بويز. هناك، على مدار عامين، احتك بأهم الفنانين الدوليين وتعلم أسرار الاحتراف الفني.
بعد عشر سنوات من التكوين المكثف في أبيدجان وغرونوبل ودوسلدورف، شعر طوغو بأن ما تراكم لديه من معرفة “ضخم جداً” ولا يمكن أن يحتفظ به لنفسه. وفي عام 2000، اتخذ القرار المصيري بالعودة. لم تكن عودة عادية، بل كانت عودة محملة بمشروع ورسالة. يقول طوغو: “إنه نداء أوجهه بانتظام للشباب الأفارقة، يجب التفكير في الكرم والعودة إلى أفريقيا وإعطاء شيء لمواطنينا”.
تجسد هذا الكرم في مشروعه الأيقوني “محطة بانجون” (Bandjoun Station)، وهو مركز فني وإقامة للفنانين أسسه في غرب الكاميرون، على الأرض التي دُفن فيها والده. لم يكن اختيار المنطقة عشوائياً، فقد اختار مجتمع الباميليكي الذي حافظ على ثقافته وتقاليده الأصيلة رغم القمع الاستعماري الفرنسي الوحشي. يهدف المشروع إلى خلق حوار خلاق بين الفن المعاصر والتراث التقليدي، وتوفير مساحة للإبداع والمشاركة بين الفنانين الدوليين والمجتمع المحلي.
لم يقتصر فن طوغو على بناء المؤسسات، بل امتد ليشمل العالم، حاملاً معه هاجساً واحداً: إعطاء صوت لمن لا صوت لهم. في سلسلة أعماله المؤثرة “رأس فوق الماء” (Head Above Water)، سافر إلى مناطق التوتر والألم، من جيوب الصراع في صربيا وكوسوفو، إلى أحياء جوهانسبرغ التي تعاني من الإيدز وكراهية الأجانب، ومن هيروشيما التي شهدت مأساة القنبلة الذرية، إلى رواندا وكوبا، وصولاً إلى معسكرات الاعتقال النازية. في كل مكان، كان منهجه هو تمكين الناس من التعبير عن معاناتهم وتاريخهم، سواء عبر الكتابة على بطاقات بريدية أو من خلال الصور الصامتة التي تحكي فظاعة ما حدث.
اليوم، وبعد أن عرض أعماله في كبريات المتاحف العالمية مثل تيت مودرن واللوفر، يؤكد بارتليمي طوغو، وهو في الثامنة والخمسين من عمره، أن الأهم بالنسبة له الآن هو “العودة إلى أفريقيا والمشاركة في المشاريع الثقافية على هذه القارة، وإعطاء خبرتي للشباب”. إن مسيرة طوغو ليست مجرد قصة نجاح فردي، بل هي شهادة حية على أن السفر ليس هروباً، بل هو زاد معرفي، وأن العودة إلى الجذور ليست نهاية الطريق، بل هي بداية رسالة أكبر: رسالة الكرم والعطاء والمشاركة.