تبدي جبهة البوليساريو قلقًا متزايدًا من التسارع الملحوظ في وتيرة الاستثمارات الأجنبية بالأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، في مؤشر يعكس إدراكها العميق بأن منطق التنمية والاستقرار بدأ يسحب البساط من تحت أقدام سرديتها الانفصالية التي اعتمدت عليها لعقود.
ويرى مراقبون أن هذا الحراك الاقتصادي لا يمثل مجرد مشاريع تنموية، بل يشكل تهديدًا مباشرًا للرواية السياسية والعسكرية التي تروج لها الجبهة، والتي تدّعي وجود “حرب فعلية” في المنطقة، وهو ما يتناقض كليًا مع الواقع الذي يشهد تدفق رؤوس الأموال وثقة المستثمرين الدوليين.
وفي محاولة يائسة للتشبث بخطابها المتهالك، لجأت الجبهة إلى التنديد بهذه الاستثمارات، حيث ادعى من يُعرف بـ”ممثلها لدى الأمم المتحدة بجنيف”، أبي بشرايا البشير، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الجزائرية، أن المغرب “يورط شركات في نهب ثروات الشعب الصحراوي” بهدف “التأمين على المواقف السياسية للدول”.
في المقابل، يؤكد خبراء ومحللون أن الاستثمارات الأجنبية في الصحراء المغربية تمثل اعترافًا ضمنيًا وواقعيًا بسيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية، وتقوض بشكل مباشر السردية الانفصالية التي تحاول البوليساريو تسويقها دوليًا حول “استغلال الثروات”. فالمشاريع التنموية الكبرى في مجالات الطاقة المتجددة، والبنية التحتية، والصناعة، تعود بالنفع المباشر على الساكنة المحلية وتسهم في تحسين ظروف عيشها، وهو ما يفضح زيف الادعاءات الانفصالية.
ويشير هؤلاء الخبراء إلى أن تنامي هذه الاستثمارات هو مؤشر قوي على قدرة العقل الاستراتيجي المغربي على إحداث تحول جوهري في الموقف الدولي. فهذا الزخم يعكس ثقة متزايدة من جانب الدول والشركات الأجنبية في استقرار المنطقة وجاذبيتها الاقتصادية تحت السيادة المغربية، ويُعتبر تجسيدًا عمليًا للدعم الدولي المتصاعد لمبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب كحل جاد وواقعي وموثوق للنزاع المفتعل.
كانت جبهة البوليساريو تراهن بشكل كبير على ورقة “استغلال الموارد الطبيعية” لتحقيق نوع من التوازن في موقفها التفاوضي، مستندةً في ذلك إلى قرارات سابقة لمحكمة العدل الأوروبية. إلا أن الواقع على الأرض أثبت عكس ذلك، حيث انهارت هذه الورقة تمامًا أمام الدينامية الجديدة التي يعرفها ملف الصحراء.
فقد عادت العديد من الدول الأوروبية الكبرى، مثل فرنسا وإسبانيا وألمانيا، للاستثمار بكثافة في الأقاليم الجنوبية، خاصة في قطاع الطاقات المتجددة الواعد. كما أن الاتفاقية التجارية بين المغرب وبريطانيا تشمل صراحة هذه الأقاليم. وحتى الدول الوازنة في مجلس الأمن، التي تحافظ على موقف محايد، تنفذ شركاتها مشاريع اقتصادية كبرى في الصحراء المغربية، كما هو الحال بالنسبة للاستثمارات الصينية.
إن هذا التراكم في الثقة الدولية، والذي عززته مبادرة الحكم الذاتي، منح الشركات الأجنبية الضمانات القانونية اللازمة، مما أدى إلى ارتفاع كبير في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. ويؤكد هذا الواقع أن المصالح الاقتصادية أصبحت الموجه الفعلي للمواقف السياسية، حيث تترجم العديد من الدول سلوكياتها الاقتصادية إلى مواقف سياسية إيجابية، وهو ما يفسر افتتاح العديد من القنصليات العامة في مدينتي العيون والداخلة.
وأمام هذا الانهيار المزدوج لورقتي “حقوق الإنسان” و”استغلال الخيرات”، لم يتبقَ لجبهة البوليساريو سوى التلويح بالتهديد بتنفيذ هجمات ضد المصالح الأجنبية، وهو ما يكشف عن يأسها وعزلتها. وبهذا، يتشكل واقع جديد على الأرض يؤكد عدالة الموقف المغربي، ويرسخ سيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية، ليس بالمنطق السياسي والدبلوماسي فحسب، بل بلغة التنمية والاستثمار التي لا تقبل الجدال.