أقدم مجموعة من الشباب على رفع علم “البوليساريو” داخل أسوار مقبرة لكصابي بمدينة كلميم، في خطوة اعتبرت خرقا صارخا لحرمة المكان وقدسيته. الحادثة، التي تم تداول صورها على منصات التواصل الاجتماعي، لم تمر مرور الكرام، بل فجرت جدلا عميقا حول دلالاتها وأبعادها، وفتحت الباب أمام تساؤلات حول الأسباب التي تدفع بشباب المنطقة إلى تبني مثل هذه الشعارات الانفصالية في مكان يفترض فيه الخشوع والاعتبار.
وفي هذا السياق، استنكر محمد أبودرار، عضو المعارضة بمجلس جهة كلميم وادنون، بشدة ما أقدمت عليه مجموعة من الشباب من رفع لعلم “البوليساريو” بمقبرة لكصابي، معتبراً الفعل “مرفوضاً شرعاً وعرفاً وقانوناً” لما فيه من انتهاك لحرمة المقابر التي يجب أن تظل مكاناً للعبرة والدعاء، لا ساحة لتصفية الحسابات السياسية أو استعراض الشعارات الانفصالية.
وأكد أن هذه الواقعة ليست مجرد حادث عابر، بل هي مؤشر خطير يستوجب وقفة جادة ومسؤولة من الجميع.
إلا أن أبودرار سارع إلى تجاوز النظرة السطحية للحدث، مشددا على أن المقاربة القانونية وحدها لا تكفي لفهم أبعاده، فالجذور أعمق من ذلك بكثير، موضحا في هذا الصدد، أنه بينما تعتنق قلة من شباب المنطقة الفكر الانفصالي، فإن ما يغذي هذا الفكر ليس فقط الدعاية الخارجية، بل بالأساس واقع “التهميش التنموي” الذي تعانيه جهة كلميم وادنون مقارنة بالدعم الكبير الذي يُضخ في باقي جهات الصحراء. فبحسبه، أدت هشاشة التنمية وغياب العدالة المجالية وفشل بعض المسؤولين في مهامهم إلى خلق أرضية خصبة لتسلل الخطاب الانفصالي إلى عقول الشباب.
ولم يتوقف عضو المعارضة عند هذا الحد، بل أضاف أن “الفساد السياسي” لبعض المنتخبين المحليين ساهم بشكل مباشر في تأزيم الوضع. واتهم هؤلاء بالتعامل مع الجهة كـ”إرث خاص” يتم توزيعه فيما بينهم، بدلاً من تحويلها إلى ورش جماعي للتنمية يستفيد منه الجميع. وفي نقطة لافتة، حذر أبودرار من خطورة نزوع بعض الأطراف إلى “الخطاب العنصري” ضد المكون الأمازيغي، مؤكداً أن قوة منطقة وادنون تاريخياً كانت تكمن في التمازج الخلّاق بين المكونين الصحراوي العربي والأمازيغي.
وفي نقد مباشر للاستراتيجية الرسمية، اعتبر أبودرار أن “أكبر خطأ استراتيجي ارتكبته الدولة” في تدبير هذا الملف هو اعتمادها على “مقاربة الريع” لمواجهة الفكر الانفصالي. هذه المقاربة، حسب قوله، لم تُفلح في كسب الولاءات، بل على العكس، أنتجت “جيلاً اتكالياً” غارقاً في الامتيازات، وخلقت “لوبيات متغولة” تتحكم في القرار المحلي والجهوي. وبدل أن يكون الملف الوطني بوابة للتنمية والوحدة، تحول لدى البعض إلى “وسيلة للابتزاز السياسي والاقتصادي”.
وشدد أبودرار على أن الحكمة كانت تقتضي غرس الوطنية عبر “الديمقراطية والإنصاف”، لا عبر الامتيازات الريعية. فالتنمية الشاملة والعدل بين كافة المكونات هما السبيل الحقيقي لكسب قلوب الشباب وصيانة اللحمة الوطنية. واستشهد على فشل المقاربات الحالية بارتفاع محاولات الهجرة السرية من شواطئ الجهة، والتي تعكس حجم اليأس والإحباط السائد وسط فئات واسعة من المجتمع.
وختم محمد أبودرار تدوينته بنظرة مستقبلية، قائلاً إن المغرب مقبل على تنزيل مشروع الحكم الذاتي الذي يحظى بدعم دولي متزايد، وفي تلك اللحظة الحاسمة، لن ينفع خطاب السب أو التخوين. وأكد أن المطلوب اليوم هو “كسب أبنائنا بالحوار والتنمية والإنصاف”، فالوطن يتسع للجميع وهو غفور رحيم، لكن شرط ذلك أن يعامل كل أبنائه بالعدل والحكمة، بعيداً عن الإقصاء والريع والفساد.