يشهد المشهد الحقوقي والقانوني بالمغرب دينامية متواصلة مع تصاعد المطالب الرسمية والحقوقية بإحالة مشروع قانون المسطرة الجنائية، الذي صادق عليه البرلمان مؤخرا، على المحكمة الدستورية قصد فحص مدى مطابقته لمقتضيات دستور 2011، خصوصا في ما يتعلق بمبادئ المساواة أمام القانون وحماية الحقوق والحريات.
هذه الدعوات تأتي في سياق دستوري يتيح آليات محددة للرقابة القبلية على القوانين، ويعكس تزايد الوعي بأهمية ربط التشريع بروح الدستور باعتباره أسمى قانون في البلاد.
فمنذ الخطوة التي قام بها راشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب، حين أحال مشروع قانون المسطرة المدنية على المحكمة الدستورية، والتي انتهت برفض عدد من المقتضيات، تعززت آمال الحقوقيين في أن يشمل الأمر مشروع قانون المسطرة الجنائية أيضا. بالنسبة لهؤلاء، فإن الأمر لا يتعلق فقط بنقاش تقني حول النصوص، بل بعمق فلسفة العدالة ومبدأ المساواة أمام القانون.
وهنا تبرز بشكل خاص المادتان 3 و7 من المشروع الجديد، اللتان تحددان نطاق تحرك النيابة العامة في ملفات الفساد والمال العام، وتثيران نقاشا واسعا بشأن دور الجمعيات وإمكانية انتصابها طرفا مدنيا في مثل هذه القضايا الحساسة.
الإطار الدستوري المنظم لهذا النقاش منصوص عليه بوضوح في الفصل 132 من دستور 2011، الذي يمنح صلاحية الإحالة على المحكمة الدستورية للملك، ورئيس الحكومة، ورئيسي مجلسي البرلمان، وخُمس أعضاء مجلس النواب، وأربعين عضوا من مجلس المستشارين. هذه الصلاحية، التي توصف بأنها “رقابة استباقية”، تتيح للمؤسسة الدستورية العليا البت في مطابقة القوانين للدستور قبل دخولها حيز التنفيذ، وهو ما يجعلها أداة لضمان التوازن بين السلط وحماية الحقوق الأساسية.
في هذا السياق، خرج “تحالف ربيع الكرامة”، وهو إطار حقوقي بارز يضم جمعيات نسائية وحقوقية، بموقف قوي يدعو المحكمة الدستورية إلى ممارسة دورها الرقابي بشكل استباقي على قانون المسطرة الجنائية الجديد، وإسقاط كل المقتضيات التي تمس بمبدأ المساواة وحماية الضحايا.
التحالف أكد أن مسؤولية البرلمانيين اليوم تاريخية، ليس فقط في التشريع، ولكن في حماية الحقوق والحريات وضمان انخراط المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية في الترافع ضد الفساد. البيان الحقوقي شدد على أن المواد المثيرة للجدل تكرس الإقصاء وتحد من دور الحركة الحقوقية والنسائية، بما يعيق بناء عدالة ناجعة وديمقراطية حقيقية.
من جانبها، دخلت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (AMDH) على خط النقاش، مؤكدة أن مطلبها لا يقتصر على قانون المسطرة الجنائية فقط، بل يمتد إلى ضرورة إحالة جميع مشاريع القوانين على المحكمة الدستورية.
الجمعية، عبر مكتبها المركزي، أعلنت عن وضع خطة للترافع من أجل هذا المطلب، معتبرة أن الرقابة الدستورية يجب أن تكون مسارا طبيعيا لكل التشريعات حتى لا تصدر قوانين تتعارض مع المبادئ الدستورية.
النقاش الحالي يستحضر أيضا تجارب سابقة في تاريخ الرقابة الدستورية بالمغرب. فمنذ إقرار دستور 2011، باتت المحكمة الدستورية تلعب دورا محوريا في حماية التوازن الدستوري، حيث سبق أن ألغت مقتضيات من قوانين مختلفة بدعوى مخالفتها لمبادئ المساواة أو لحقوق الأفراد والجماعات. وقد رسخ هذا المسار ثقة نسبية في المؤسسة، باعتبارها ضامنة لعدم انحراف التشريع عن مقتضيات الوثيقة الدستورية.
وبينما يرى الحقوقيون أن المعركة الحالية تتعلق بضمان إشراك الجمعيات في الترافع ضد الفساد وتمكينها من الانتـصاب طرفا مدنيا، يرى مراقبون أن الأمر يتجاوز البعد الحقوقي المباشر، ليطال فلسفة العدالة نفسها: هل هي حكر على مؤسسات الدولة وحدها، أم فضاء تشاركي يسمح للفاعلين المدنيين بلعب أدوارهم في حماية المال العام والحقوق الجماعية؟
هذا الجدل يعكس كذلك عمق التحولات التي يعرفها المشهد المغربي، حيث لم يعد التشريع عملية تقنية خالصة، بل صار مجالا مفتوحا للتجاذب بين مقاربات مختلفة: مقاربة الدولة التي تميل إلى ضبط مسارات التقاضي، ومقاربة المجتمع المدني التي ترى أن فتح باب الترافع أمام الجمعيات يضمن شفافية أكبر في محاربة الفساد والانتصار للضحايا.
الضغط الحقوقي المتواصل لإحالة القانون على المحكمة الدستورية يضع البرلمان أمام مسؤولية تاريخية، إذ لم يعد مقبولا أن تمر قوانين تمس حقوق الأفراد والجماعات دون مراجعة دستورية دقيقة.
كما أن التجربة الأخيرة مع قانون المسطرة المدنية أظهرت أن المحكمة الدستورية قادرة على ممارسة دورها كحَكَم، وهو ما يفتح الباب أمام توازن أكبر بين السلط، ويعزز المسار الديمقراطي الذي نص عليه دستور 2011.
يشار ان النقاش الدائر اليوم حول قانون المسطرة الجنائية لا يقتصر على مضامين تقنية بقدر ما يعكس صراعا على رؤية العدالة ودورها في المجتمع المغربي، فإحالة المشروع على المحكمة الدستورية قد تكون اختبارا جديدا لمتانة البنية الدستورية، وقدرتها على حماية الحقوق والحريات، وضمان أن يكون القانون في خدمة المساواة والكرامة والعدالة، لا أداة لتقييدها أو الحد من فعاليتها.