لم يبتعد كثيرًا عن باب العمارة حين دوّى رنين هاتفه المحمول، فمزّق سكون المساء.
– ألو؟ من معي؟ … أهلاً سيدي… حاضر… سأعود حالاً.
أغلق الهاتف، وقد تسلّل إلى صدره قلق غامض. لماذا يستدعيه المدير الآن وقد أنهى دوامه؟ هل للأمر علاقة بطلب الزيادة الذي تقدّم به قبل أسبوع؟ لم يمهل نفسه للتفكير طويلًا، فاستقلّ أوّل سيارة أجرة.
كانت صور ابنته، التي ستزفّ في الصيف، تتراءى أمامه. كل شيء يحتاج مالًا، وهو لم يعد يحتمل أثقال العجز.
حين بلغ الشركة، كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة ليلًا. المبنى خاوٍ إلا من المدير الذي استقبله بفتور:
– تفضّل، اجلس. لدي ما أودّ مناقشته معك.
– أنا رهن إشارتك، سيدي.
– بلغني أن بعض العمّال يخططون لتأسيس نقابة. وهناك حديث عن إضراب قريب.
– لا علم لي بذلك.
ابتسم المدير ابتسامة باهتة:
– أعلم أنك نزيه ومتفانٍ. ولهذا اخترتك. أريدك أن تكون عيني وأذني داخل المصنع. إذا أحسنت المهمة، ستنال الزيادة… وربما أكثر.
غلى الدم في عروقه. تمالك نفسه وقال بخفوت:
– اسمح لي بالتفكير في الأمر… أجيبك غدًا.
خرج مثقلاً، كأن حجارة رُصّت على صدره. سار بلا هدى حتى بلغ بيته بعد منتصف الليل. فتحت له زوجته غاضبة:
– أين كنت؟ اتصلت بك مرارًا ولم تجب!
– تعطلت الحافلة… فأكملت الطريق سيرًا.
لم يجرؤ أن يحكي. يعلم أنها ستلحّ عليه بالقبول. دخل الحمّام، رشّ على جسده ماءً باردًا، ثم جلس في الشرفة يشعل سيجارة، يحدّق في فراغ معتم. بعد قليل، توقفت سيارة أمام العمارة، نزلت ابنته وهي ترتّب شعرها، وقد أخبرت أمها أنها ذاهبة للسينما مع خطيبها. شعر بجمرة تتّقد في صدره، وعاد يفكّر في العرض: أهو بيع للروح؟ أم شراء للكرامة بثمن بخس؟
مع الفجر، تمدّد في فراشه يطرد النوم بلا جدوى. حين أيقظه المنبّه في السادسة، أطفأه وأدار ظهره. لم يكن قد حسم أمره بعد. يعرف أنه إن رفض، سيجد المدير حجّة لفصله، وإن قبل… فذلك سقوط آخر.
خرج في الصباح يتمشّى بين أزقة الحي الذي رأى فيه النور. هنا كان يركض صبيًّا، وهنا كان يفرّ من المخبرين أيّام حمل شعارات الثورة. كم تغيّرت الوجوه! وكم تغيّر هو: من طالب حالم إلى محاسب يابس، ربّ أسرة لا يكفيه صندوقٌ فارغ. تذكّر رفيقيه أحمد وعمر؛ صار أحدهما مسؤولًا في الخارجية، والآخر مدير ديوان. حاول مرارًا الاتصال بهما، لكنهما لم يعودا يذكران سوى مقاميهما الجديدين.
جلس في مقهى قديم، طلب قهوة، دفع آخر ما تبقى من دراهمه. تأمل أطفالًا حفاة يركضون في الزقاق، فاستعادت ذاكرته قولاً قاله يومًا: كلما زاد عدد الأطفال، تضاعفت مرارة العيش. يومها، زجرته زوجته: لا تقل ذلك، تخيفني!
فصمت، وقد سكنته مرارة العالم.
حين عاد للبيت، هيّأ بدلته وربطة عنقه. كان قد حسم الأمر: سيقبل المهمة، فليس لكهلٍ مثله مكان خارج المصنع. الخوف غلب كل شيء.
في الغد، قصد الشركة. من بعيد لمح عبد الحميد، رفيق الدرب القديم، يخرج من مكتب المدير وعلى وجهه ابتسامة عريضة. وعند الباب، أوقفه الحارس:
– المعذرة، لا يمكنك الدخول… وهذا ظرف لك.
فتح الظرف، فقرأ:
“تم قبول استقالتك. تذكّر دائمًا: الجميع قابل للاستبدال.”
أسند ظهره إلى الجدار، يفتّش في جيبه عن سيجارة أخيرة. ما وجده لم يكن سوى رماد… رماد المبادئ.

