في العمل السياسي، قد تنجح البلاغات في تفسير المواقف، لكنها لا تستطيع أن تعوضها. وقد تخفف من حدة الانتقادات، لكنها لا تمحو ما سجلته المؤسسات الدستورية. لذلك، فإن المصداقية السياسية لا تبنى بما يقال بعد اتخاذ القرار، وإنما بما يقال ويفعل لحظة صناعة القرار. فهناك لحظات لا يكون فيها للصمت أو للتأخر في إعلان الموقف أي أثر سوى تعميق أزمة الثقة.

من هذا المنطلق، يثير بلاغ رابطة المحامين الاستقلاليين بشأن مشروع قانون مهنة المحاماة أكثر من سؤال، ليس بسبب لغته أو حسن صياغته، وإنما بسبب التناقض الذي كشفه بين خطاب الدفاع عن المحاماة، وبين السلوك السياسي للحزب الذي تنتمي إليه الرابطة.

لقد اختار البلاغ أن يتحدث عن استقلال المحاماة، وعن ضرورة التوافق مع جمعية هيئات المحامين بالمغرب، وعن رفض منطق الأغلبية في سن القوانين المنظمة لمهن العدالة، بل دعا إلى تأجيل الجلسة العامة لإفساح المجال أمام الحوار.

كل ذلك يبدو، في ظاهره، موقف مسؤول.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين كان هذا المنطق عندما كانت الأغلبية الحكومية، التي يشكل حزب الاستقلال أحد أعمدتها، تدفع المشروع خطوة بعد أخرى داخل المؤسسة التشريعية؟

فالسياسة لا تعرف ما يسمى بـ”المعارضة بعد التصويت”. فاللحظة الحاسمة ليست لحظة إصدار البيانات، وإنما لحظة اتخاذ القرار داخل البرلمان، لأن التصويت هو التعبير الرسمي عن الإرادة السياسية، وليس البلاغات التي تصدر بعد اكتمال المسار.

وحين يعلن البلاغ أن الحزب ساهم في إعداد تعديلات الأغلبية، ثم يعود ليؤكد أن المشروع لا يزال يتضمن مقتضيات تثير تحفظات دستورية ومهنية، فإن الرأي العام يجد نفسه أمام مفارقة يصعب تفسيرها: إذا كانت هذه التحفظات جوهرية، فلماذا استمر المسار التشريعي؟ وإذا كانت غير جوهرية، فلماذا كل هذا الخطاب عن خطورة المشروع؟

والأكثر إثارة للانتباه أن البلاغ يجمع بين الإشادة بالتعديلات التي تقدمت بها الأغلبية، واعتبارها مكسبا للمهنة، وبين الدعوة في الآن نفسه إلى تأجيل الجلسة العامة وتأخير الحسم في المشروع إلى حين بلوغ توافق مع جمعية هيئات المحامين بالمغرب. وهو جمع يصعب فهم منطقه السياسي؛ لأن الدعوة إلى التأجيل تعني ضمنيا أن شروط التوافق لم تكن قد اكتملت. فإذا كان الأمر كذلك، فما الذي برر الاستمرار في المسار التشريعي إلى هذه المرحلة؟

إن ما يثير الانتباه في هذا البلاغ أنه حاول الجمع بين صورتين متناقضتين في آن واحد: صورة الحزب الملتزم بانضباط الأغلبية الحكومية، وصورة الحزب المدافع عن مطالب المحامين. غير أن الجمع بين الصورتين لم ينتج موقفا وسطا، بل كشف عن أزمة انسجام سياسي.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فالرأي العام لا يحاكم الأحزاب على حسن نواياها، بل على اتساق مواقفها. والمواطن لا يهمه كثيرا ما يقال في البلاغات إذا كان السلوك داخل المؤسسات يسير في اتجاه مختلف.

لقد تحولت قضية مشروع قانون المحاماة من نقاش قانوني إلى اختبار سياسي لمصداقية الأحزاب المشاركة في الحكومة. ذلك أن الحزب الذي يشارك في صناعة القرار لا يستطيع أن يتحدث إلى المواطنين بلغة المتفرج، ولا أن يكتب بلاغات توحي بأنه خارج دائرة المسؤولية.

إن المشاركة في الحكومة ليست مجرد امتياز سياسي، بل هي مسؤولية دستورية وأخلاقية. ومن يتحمل مسؤولية القرار لا يمكنه أن يتحدث بلغة المراقب بعد أن يكون قد شارك في صناعته، لأن المواقف تقاس بما يقع داخل المؤسسات، لا بما يكتب بعدها.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن البلاغ يصر على التمسك بالحوار، بينما الواقع السياسي يقول إن الحوار الحقيقي كان ينبغي أن يسبق الوصول إلى هذه المرحلة من المسطرة التشريعية. أما بعد أن يمر المشروع من اللجنة، وتعلن الأغلبية نجاحها في تمريره، فإن الدعوة إلى التأجيل تبدو أقرب إلى محاولة احتواء الغضب منها إلى صناعة توافق جديد.

ولا يتعلق الأمر هنا باستهداف حزب الاستقلال دون غيره، بل بمناقشة ظاهرة أصبحت تتكرر في الممارسة السياسية المغربية، وهي أن بعض الأحزاب تشارك في صناعة القرار، ثم تصدر بيانات تبدو وكأنها تعارض ما شاركت في إنتاجه، في محاولة للجمع بين مقتضيات الانضباط للأغلبية وكسب تعاطف الرأي العام.

غير أن هذه المعادلة لم تعد تقنع أحد.
فالناخب المغربي، كما الجسم المهني، أصبح يميز بين الخطاب والفعل، وبين البلاغ والتصويت، وبين الشعارات ومحاضر الجلسات. ولهذا لم يكن مستغربا أن تعتبر فئات واسعة من المحامين أن الموقف الحقيقي هو ما وقع داخل البرلمان، لا ما كتب بعد ذلك في البيانات.

وليس المقصود من هذا النقد مصادرة حق أي تنظيم مهني أو حزبي في مراجعة مواقفه أو التعبير عن تحفظاته، فالمراجعة فضيلة في العمل السياسي، بل قد تكون دليلا على المسؤولية. لكن المراجعة تكتسب قيمتها عندما تكون مصحوبة بمواقف عملية تعكسها المؤسسات، لا عندما تظل حبيسة البلاغات. فالرأي العام يحترم من يعلن بوضوح أنه غير موقفه، أكثر مما يقتنع بمحاولة التوفيق بين موقفين متعارضين في الوقت نفسه.

إن أزمة مشروع قانون المحاماة ليست فقط أزمة نص تشريعي، بل هي أيضا أزمة ثقة في الأداء السياسي. والثقة لا تستعاد بتجويد البلاغات، وإنما بالشجاعة في تحمل المسؤولية كاملة، سواء بالدفاع الصريح عن المشروع، أو بالاعتراض عليه بوضوح داخل المؤسسات.

أما محاولة الوقوف في منتصف الطريق، فهي قد تؤجل الإحراج السياسي لبعض الوقت، لكنها لا تمنع الرأي العام من طرح السؤال الجوهري: إذا كنتم مقتنعين بأن المشروع يحتاج إلى توافق حقيقي، فلماذا سمحتم له بأن يبلغ هذه المرحلة من المسطرة التشريعية؟ وإذا كنتم غير مقتنعين بمضمونه، فلماذا لم ينعكس ذلك بوضوح في المواقف التي عبر عنها ممثلو الحزب داخل المؤسسة التشريعية؟

إن السياسة ليست فن كتابة البيانات، بل فن تحمل المسؤولية. والمصداقية لا تبنى بحسن الصياغة، وإنما بوضوح الموقف، ولا تقاس بعدد البلاغات الصادرة، بل بما يسجل في محاضر المؤسسات الدستورية. ولهذا سيبقى السؤال قائما: هل كان؟.

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store