تعد الانتخابات إحدى الركائز الأساسية التي تقوم عليها الديمقراطية، إذ تشكل الآلية الدستورية الأبرز لترجمة الإرادة الشعبية وتجديد النخب السياسية، كما أنها مؤشر حاسم على مستوى الثقة بين المجتمع والدولة.
غير أن الممارسة الانتخابية في المغرب، رغم ما راكمته من مكتسبات منذ بداية التسعينيات إلى اليوم، لا تزال تطرح بشأنها أسئلة عميقة مرتبطة بالنزاهة، والمصداقية، وشفافية التمثيل، ومدى قدرة النصوص القانونية والمؤسسات المشرفة على الاستحقاقات في ضمان تكافؤ الفرص وتوسيع دائرة المشاركة.
وفي هذا السياق، جاءت المذكرة الأخيرة للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان لتفتح نقاشا متجددا حول رهانات الإصلاح، مقدمة جملة من المقترحات التي تعكس انشغالاً مجتمعياً بضرورة تطوير المنظومة الانتخابية بما ينسجم مع مبادئ الحكامة الديمقراطية.
خريطة طريق للإصلاح
قدمت العصبة مذكرة متكاملة تعتبر بمثابة “خريطة طريق” لإعادة بناء قواعد التنافس الانتخابي، انطلاقاً من ثلاثة مرتكزات أساسية: ضمان النزاهة والشفافية، توسيع قاعدة المشاركة، وتقوية آليات الرقابة والمساءلة.
ففي الشق المتعلق بالتقطيع الانتخابي، طالبت العصبة بإنشاء هيئة مستقلة، محايدة عن الحسابات السياسية، تتولى حصراً مهمة إعداد الخرائط الانتخابية وفق معايير قانونية مضبوطة تراعي المساواة الديموغرافية والجغرافية.
هذه الدعوة تحيل إلى مطلب قديم ظل مطروحاً في النقاش العمومي، إذ غالباً ما ارتبطت إعادة التقطيع بتأويلات سياسية اعتُبرت في نظر جزء من الفاعلين منحازة أو موجّهة.
أما على مستوى النزاهة، فقد شددت المذكرة على ضرورة حرمان المدانين في قضايا الفساد من حق الترشح حتى بعد رد الاعتبار، باعتبار أن استعادة الثقة في العملية الانتخابية تمرّ بالقطع مع رمزية الإفلات من العقاب. كما اقترحت إلزامية التصريح العلني بالممتلكات وتعزيز معايير الكفاءة العلمية والمهنية للمرشحين، وهو ما يعكس توجهاً نحو “أخلاقيات السياسة” وإعادة الاعتبار إلى معيار الاستحقاق.
توسيع المشاركة وإدماج الفئات المقصية
من أبرز ما ميز المذكرة تركيزها على البعد الاجتماعي في العملية الانتخابية، حيث طالبت بفرض نسبة لا تقل عن 50% من النساء في لوائح الأحزاب، مع تخصيص حصص للشباب أقل من 35 سنة، وإقرار مقاعد للأشخاص في وضعية إعاقة.
هذه المطالب لا تقف عند حدود التمثيل العددي، بل تسعى إلى إدماج فعلي لفئات تعتبر في الغالب الحلقة الأضعف في صنع القرار السياسي. كما أوصت العصبة بتهيئة مراكز الاقتراع بوسائل النفاذ والمساعدة، بما يجعل المشاركة حقاً فعلياً لجميع المواطنين دون تمييز.
إلى جانب ذلك، شددت المذكرة على ضرورة فتح الباب أمام مشاركة الجالية المغربية بالخارج، عبر إحداث دوائر انتخابية خاصة واعتماد آليات اقتراع متعددة تشمل التصويت الإلكتروني والبريدي، وهو مطلب طالما تكرر في النقاش العمومي دون أن يجد طريقه للتنفيذ الفعلي.
التمويل والرقابة والإعلام
اعتبرت العصبة أن المال السياسي أحد أبرز التحديات التي تقوض نزاهة الانتخابات، ودعت إلى الإفصاح الكامل عن مصادر تمويل الأحزاب والحملات، وتحديد سقف للتبرعات الفردية، ومنع التمويل مجهول المصدر أو الأجنبي. كما أوصت بتعزيز صلاحيات أجهزة المراقبة وتوفير قنوات آمنة للتبليغ عن المخالفات.
وفي الجانب الإعلامي، اقترحت المذكرة تعديل الإطار القانوني المنظم للإعلام العمومي بما يضمن وصولاً عادلاً لجميع الأحزاب، مع تمكين الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري من صلاحيات أوسع لمراقبة التغطية، إلى جانب إعداد “ميثاق شرف إعلامي” يؤطر الحملات الانتخابية ويضمن الحياد.
البعد القانوني والمؤسساتي
توقفت المذكرة عند مسألة التسجيل في اللوائح الانتخابية، معتبرة أن ربطها بالسجل الوطني للسكان والسجل المدني واعتماد التسجيل التلقائي يشكل مدخلاً لتجاوز الإقصاء الذي طال شرائح واسعة من المواطنين، وخاصة الشباب. كما دعت إلى تبسيط مساطر المراجعة والطعن عبر المنصات الرقمية، وإشراك منظمات المجتمع المدني في عمليات التدقيق، ما من شأنه أن يرفع منسوب الثقة في العملية برمتها.
يذكر ان مقترحات العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان حسب عدد من الحقوقيين المغاربة تشكل وعياً متنامياً بأن إصلاح المنظومة الانتخابية لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة حيوية لضمان الاستقرار المؤسساتي وإعادة الثقة بين المواطن والدولة، حيث اعتبر البعض أن الانتخابات، في غياب قواعد صلبة للشفافية والمصداقية، قد تتحول إلى مجرد طقس شكلي لا يعكس الإرادة الشعبية الحقيقية. كما أن الرهان على إدماج النساء والشباب والأشخاص في وضعية إعاقة يعكس تحوّلاً في إدراك وظيفة الانتخابات، ليس فقط كآلية لتوزيع السلطة، بل كأداة لإعادة هيكلة التمثيلية المجتمعية.