الرئيسية / نبض المجتمع / الجديدي.. الترجمان الأخير يطوي معجمه إلى الأبد

الجديدي.. الترجمان الأخير يطوي معجمه إلى الأبد

سعيد الجديدي
نبض المجتمع
فريد أزركي 28 سبتمبر 2025 - 19:00
A+ / A-

حمل في دمه عبق تطوان، تلك المدينة التي تتنفس الأندلس في كل زاوية من زواياها، وينتمي إلى أسرة علال البختي، تلك الأسرة التي جعلت من العلم والدين نبراساً لها عبر الأجيال، والده، ذلك العالم الفاضل المنتمي للزاوية الكتانية، زرع فيه بذور المعرفة التي نمت لتصبح شجرة وارفة الظلال في حقل الصحافة والأدب. رحل سعيد الجديدي.

في صباح السبت السابع والعشرين من شتنبر، أسدل المساء ستاره على صوت كان يقرأ الأخبار بلغة ثيربانتس، وعلى قلم كان ينسج الكلمات جسوراً بين ضفتي المتوسط. رحل سعيد الجديدي، تاركاً وراءه إرثاً يتجاوز المألوف في عالم الصحافة المغربية.

 كان الجديدي رائدا من ذلك الجيل الذي أسس لمرحلة جديدة في الإعلام المغربي. عندما استقل المغرب، كان عليه أن يؤسس لصحافة تحتضن التنوع اللغوي الذي يميزه، فكان الجديدي من بين الذين حملوا هذه الرسالة، ليصبح أول من قدم نشرات الأخبار باللغة الإسبانية، في عمل رائد لم يكن مجرد ترجمة آلية للأحداث، بل كان تجسيراً ثقافياً حقيقياً.

لثلاثة عقود كاملة، كان صوته يصل إلى البيوت المغربية عبر أثير الإذاعة والتلفزة، حاملاً معه أخبار اليوم بلسان إسباني أصيل، لكنه محلي الروح والهوى، ليصبح سفيرا ثقافيا يقرب المشاهدين من لغة الجيران الأوروبيين، في وقت كانت فيه وسائل الإعلام تحتاج إلى من يفهم أن التواصل فن قبل أن يكون مهنة.

 انتقل الصحفي من عالم الصحافة إلى عالم الأدب، ليصبح من أبرز الروائيين باللغة الإسبانية في المغرب. في رواياته، تتجلى روح مغربية خالصة تتكلم بلسان أوروبي، في مزج فريد بين الهوية والانفتاح.

ترجم الأرواح والمعاني. نقل إلى الإسبانية كنوزا من التراث الإسلامي: “الشمائل المحمدية”، “هذا الحبيب يا محب”، “صفة الصلاة لابن العثيمين”، “الكلم الطيب لابن تيمية”، و”حصن المسلم”، و”رسالة ابن أبي زيد القيرواني”. كل كتاب ترجمه كان جسراً يربط بين ثقافتين، رسالة محبة تحمل عبق الشرق إلى قلوب الغرب.

في أكتوبر 2018، تُوّج مسيرة الجديدي بوسام الاستحقاق من إسبانيا، ذلك الوسام الذي يمنحه الملك فيليب السادس تقديرا للمساهمات الاستثنائية، اعترافاً رسمياً بأن هذا الرجل نجح في أن يكون جسراً حقيقياً بين الشعوب، وأن جهوده في تقريب المغاربة من اللغة الإسبانية كانت رسالة سلام وتفاهم.

رحل الجديدي كما عاش: بهدوء وكرامة. يصفه جاره الحسن بن علي الكتاني بأنه كان “بشوشاً طيباً محافظاً على عباداته”، في وصف بسيط يحمل عمق الإنسان الذي جمع بين الدنيا والآخرة، بين العمل والعبادة، بين الانفتاح على العالم والتمسك بالأصول.

مات سعيد الجديدي، لكن صوته ما زال يتردد في أروقة الإذاعة والتلفزة المغربية. رحل الرجل، لكن رسالته باقية: أن الصحافة الحقيقية هي التي تبني الجسور لا التي تهدمها، وأن الكلمة أمانة سواء كانت بالعربية أو الإسبانية أو أي لغة أخرى، وأن المثقف الحقيقي هو من يجعل من التنوع اللغوي ثراءً لا تشتتاً.

رحمة الله على سعيد الجديدي، الصحفي الذي علّمنا أن نقرأ الأخبار بقلوبنا قبل ألسنتنا، والكاتب الذي أثبت أن الأدب لا وطن له سوى الجمال، والمترجم الذي جعل من الكلمات جسوراً بين القلوب.

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة