يعتبر عالم السياسة محمد توزي أن المطالب المتعلقة بالصحة والتعليم التي يرفعها شباب حركة GenZ212 تعبّر عن أزمة سياسية واجتماعية أعمق بكثير. ويدعو إلى فتح نقاش وطني جاد تقوده شخصيات ذات مصداقية لتجنب الانزلاقات وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والشباب.
يرى محمد توزي أن وراء الاحتجاجات المطالبة بتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، هناك ظواهر سياسية عميقة فاقمت من شعور هذا الجيل بالقلق والاغتراب.
ويدعو إلى إطلاق نقاش جدي يُعيد الحياة للكلمة وللنقاش السياسي، ويطرح قضية الخيارات الكبرى للسياسات العمومية. ويقترح أن تقود هذا الحوار شخصيات نزيهة وموثوقة من عالم السياسة أو المجتمع المدني، ممن غادروا الساحة طوعاً في وقت من الأوقات، لأنهم الأقدر على التفاعل مع شباب طموح وواعٍ ومطالب.
وفي حديثه لموقع Médias24، قدّم محمد توزي قراءته لحركة الاحتجاج الشبابية GenZ212 التي تعرفها عدة مدن مغربية، مؤكداً على ضرورة فتح الحوار مع هؤلاء الشباب وتدبير التظاهرات بطريقة تتفادى الانزلاقات الأمنية.
“يجب فقط التحدث معهم، هذا كل ما في الأمر”
يقول توزي: “يجب مناقشتهم، لا أكثر. فلا توجد حكومة في العالم قادرة على تقديم حلول فورية لمثل هذه المطالب. لا توجد إجابة جاهزة لهذه الأنواع من الحركات. ينبغي أن نبتكر في أساليب التدبير حتى لا تنحرف الأمور، وأن نفتح نقاشاً عمومياً.”
ويستحضر تجربة اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد التي كان عضواً فيها: “أتذكر أنه في إطار إعداد النموذج التنموي الجديد، قمنا بحملة واسعة من المشاورات الميدانية، عبر أكثر من عشرين جلسة استماع في مختلف مناطق المملكة، إضافة إلى منصات إلكترونية للتفاعل.”
ويضيف أن المطالب التي برزت آنذاك هي نفسها اليوم: خدمات عمومية ذات جودة، كرامة، اعتراف، حريات عامة، ودولة قانون.
الحكومة والأحزاب في وضع حرج
لكن من يمكنه قيادة هذا الحوار؟ يجيب توزي: “حتى وإن استثمرت بعض مكونات الحكومة مواقع التواصل الاجتماعي، فإن موقعها الحالي يجعلها فاقدة للمصداقية أمام الشباب والرأي العام. يجب أن يقود الحوار شخصيات شعبية وموثوقة.” ويرى أن المشهد السياسي برمّته في مأزق، فالأحزاب متهمة بأنها لم تعد قادرة على لعب دور الوسيط بين المجتمع والدولة. ويضيف: “أزمة الأحزاب ليست مغربية فقط، إنها أزمة عالمية. لا يمكن القول إن الأحزاب المغربية وحدها هي التي فشلت.”
ويُرجع السبب إلى فجوة حقيقية بين الأجيال: “النخب السياسية لم تفهم بعد الفضاءات الرقمية الجديدة التي يحتلها الشباب. فعندما يكتب باحث ورقة علمية جادة، لا يقرأها أحد تقريباً، بينما يحقق مؤثرون ملايين المشاهدات. القلة فقط نجحت في خلق فضاءات رقمية مؤثرة خاصة بها.”
“الفرق بين 20 فبراير وGenZ212”
“بينما تم احتواء حركة 20 فبراير سريعاً من طرف قوى سياسية مؤسّسة مثل فيدرالية اليسار وجماعة العدل والإحسان، فإن هذه القوى اليوم لم تتمكن من النفاذ إلى حركة GenZ212.
لقد حاول بعض السياسيين ذلك، لكن دون جدوى. وهنا نكتشف أهمية وجود مجتمع مدني مستقل ونشيط، تم تهميشه بل وقمعه منذ سنة 2013، حين ابتكر أول حكومة بعد دستور 2011 فكرة وزارة للمجتمع المدني، والتي كانت، بطريقة ما، مقدمة لإقصائه بحجة خطر التأثيرات الخارجية.”
الخطر الأكبر: الانزلاق نحو العنف
ويحذر توزي قائلاً: “الخوف الكبير هو أن تحدث انزلاقات أو تجاوزات، سواء من طرف الشرطة أو المتظاهرين.” ويشرح أن معدل التأطير الأمني (أي عدد رجال الأمن القادرين على تأمين التظاهرات مقارنة بعدد المتظاهرين) غير متوازن، خصوصاً مع تعدد أماكن الاحتجاجات. ويضيف: “هذا المعدل أقل من المعايير الدولية، فهو أدنى في المغرب منه في بلدان كثيرة، بما فيها فرنسا. فالمغرب بعيد كل البعد عن أن يكون دولة بوليسية.” مهما قيل، فالمغرب بعيد كل البعد عن أن يكون دولة بوليسية.
لكن بالنسبة للأستاذ الجامعي المغربي محمد توزي، فإن رد فعل شباب حركة GenZ212، الذين يصرّون على رفض أي شكل من أشكال العنف، يُعدّ عاملًا مطمئنًا ودليلًا على روحهم المدنية ووطنّيتهم.
ومع ذلك، لا ينفي احتمال وقوع انزلاقات أو تجاوزات أمنية، لأن مثل هذه الحركات تجذب دائمًا بعض المشاغبين الذين يلتحقون بالاحتجاجات دون انتماء حقيقي لها.
ويضيف توزي أن وزارة الداخلية، من خلال تصريحاتها الأخيرة، قد أوضحت عقيدتها في حفظ النظام، إذ إنها تعترف ضمنيًا بشرعية المطالب، لكنها لا تعترف بشرعية المظاهرات.
ويقول: “مقاربة الشرطة تقوم على حفظ النظام وتفادي التخريب”، محذرًا من أن رد فعل النيابة العامة قد يكون غير ملائم، مضيفًا: “إذا تم التعامل مع هذه الاحتجاجات بنفس الطريقة التي عولج بها ملف الريف، فسنجرّ البلد إلى دوّامة خطيرة.”
المطالب المتعلقة بالصحة والتعليم تخفي أزمة أعمق
عند سؤاله عمّا إذا كانت قضيّتا الصحة والتعليم مجرد شعارات سطحية أم مطالب حقيقية، أجاب توزي: “أعتقد أن الأمر أعمق من ذلك بكثير. إنه مرتبط بشعور عام بأن الوعود لم تُنفّذ. هذا الشعور بدأ مع إطلاق إصلاح الحماية الاجتماعية، وكذلك مع إصلاح التعليم (خارطة الطريق، الحوارات مع الأساتذة)، وقد تعزّز في السنوات الأخيرة. الناس يشعرون أن الدولة خصصت إمكانيات كبيرة، لكنها في النهاية خدمت القطاع الخاص أكثر من العام.”
ويتابع قائلاً: “توسيع قاعدة المستفيدين من الحماية الاجتماعية سار في اتجاه دعم القطاع الصحي الخاص أكثر مما خدم المستشفيات العمومية.
كما أن تأخر بناء المستشفيات المحلية وفشل إصلاح تكوين الأطر الطبية زاد من الإحساس بالتهميش، خصوصًا في المدن الصغرى والمتوسطة التي عرفت نموًا سريعًا بين تعدادي 2014 و2024 دون أن ترافقها تجهيزات وخدمات مناسبة.”
ويضيف أن الوضع نفسه يتكرر في التعليم، حيث تستفيد المدارس الخاصة من الموارد العمومية عبر تشغيل أساتذة التعليم العمومي فيها.
ورغم أن هذا لم يُذكر صراحة في شعارات المتظاهرين، إلا أنه خلفية أساسية في هذا الشعور العام بالأزمة.
تزاوج المال والسياسة عمّق فقدان الثقة
يرى توزي أيضًا، دون أن يملك أدلة قاطعة، أن تشابك المصالح بين المال والسياسة زاد من احتقان الشارع، وأرسل إشارات سلبية للشباب، خاصة بعد آخر تعديل حكومي. “المفارقة الصارخة بين الكفاءة القصوى التي تبديها الدولة في تنظيم الأحداث الرياضية، والعجز التام عندما يتعلق الأمر بالأولويات الاجتماعية، تثير استغراب الناس.”
صورتان لمغربَين مختلفين
ويضيف توزي أن الاحتجاجات الحالية تركّز كثيرًا على شخصية رئيس الحكومة، الذي يوجد، حسب تحليله، في وضع صعب: “حصيلته ليست سيئة، وهناك إصلاحات عميقة جارية، لكن الرأي العام لا يلمسها. فالفوارق المجالية والاجتماعية لا تزال كبيرة، وما يهيمن اليوم هو صورة مغربَين: مغرب الرفاه ومغرب المعاناة، مغرب الفعالية ومغرب العجز.”
الفعالية في الرياضة… والعجز في قضايا الناس
ويرى توزي أن من بين الأسباب الرئيسية لهذا الإحباط الشعبي هو التعبئة القوية للدولة لإنجاز المشاريع المرتبطة بالأحداث الرياضية، مثل كأس إفريقيا للأمم وكأس العالم، مما خلق شعورًا بالتنافر بين أولويات الدولة وانتظارات الشباب.