قدم أستاذ العلوم السياسية عبد اللطيف أكنوش قراءة تحليلية جديدة في علاقة الأمن المغربي بالتحولات الاجتماعية التي شهدها المغرب خلال العقود الثلاثة الأخيرة، معتبراً أن فهم طبيعة الاحتجاج وتأمينه وضمانه لا يمكن أن يتم دون العودة إلى تطور مفهوم الأمن نفسه داخل الدولة والمجتمع.
وأوضح أكنوش، في تدوينة مطوّلة نشرها على صفحته بموقع “فيسبوك”، أن مفهوم الأمن في المغرب لا يقتصر على الجوانب الأمنية الصرفة، بل يشمل منظومة واسعة من المؤسسات التي تعمل على حماية الدولة والمجتمع، مثل القوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والمديرية العامة للأمن الوطني، والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، ووزارة الداخلية، إضافة إلى قطاعات أخرى لها أدوار أمنية غير مباشرة مثل وزارات الصحة، والاقتصاد، والأوقاف، والتربية الوطنية.
وأشار الباحث إلى أن هذه الأجهزة تأسست في خمسينيات القرن الماضي، خلال فترة حكم الملك الراحل محمد الخامس، بمراسيم ملكية هدفت إلى حماية الدولة واستقرارها بعد الاستقلال، مؤكداً أن مفهوم “الأمن الوطني” في السياق المغربي ارتبط بالملكية باعتبارها المؤسسة الضامنة لسيادة الدولة ووحدتها، وليس فقط بجهاز إداري أو عسكري.
وأضاف أكنوش أن الدينامية الأمنية بالمغرب لا يمكن فصلها عن الدينامية الاجتماعية التي عاشها المجتمع منذ التسعينات، موضحاً أن التحولات الديمغرافية والاقتصادية والثقافية الكبرى التي عرفتها البلاد فرضت على الدولة مراجعة مقاربتها الأمنية لتواكب تغيرات الواقع الاجتماعي.
وفي تحليله، أوضح أن المغرب عرف ثلاث مراحل رئيسية في تطور منظومته الأمنية؛ المرحلة الأولى تمثلت في مرحلة بناء الدولة الحديثة بعد الاستقلال، حيث كان الهدف الأساسي هو ترسيخ الاستقرار وحماية المؤسسات، والمرحلة الثانية تميزت بإحداث المجلس الأعلى للأمن المنصوص عليه في دستور 2011، كآلية لتنسيق السياسات الأمنية بين مختلف الأجهزة، أما المرحلة الثالثة، التي ما تزال مستمرة إلى اليوم، فقد بدأت مع أحداث 11 شتنبر وتفجيرات 16 ماي بالدار البيضاء، وما تبعها من تحديات إقليمية مرتبطة بالإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة.
وأكد أكنوش أن مواجهة هذه المخاطر تطلبت تعبئة استثنائية وتعزيز الموارد البشرية والتقنية للأجهزة الأمنية، مع إدماج مبادئ حقوق الإنسان في برامج التكوين، وتحيين النصوص القانونية ذات الصلة بالقانون الجنائي والمسطرة الجنائية، بهدف تحقيق توازن بين حماية الأمن واحترام الحريات الفردية والجماعية.
وشدد الباحث على أن هذا التوازن يظل من أبرز التحديات المطروحة اليوم، لأن الدولة مطالبة بمواجهة المخاطر الجديدة دون التراجع عن المكتسبات الحقوقية والسياسية التي نص عليها دستور 2011، مشيراً إلى أن المغرب يسعى من خلال مؤسساته إلى بناء نموذج أمني حديث يقوم على مبدأ الحكامة والشفافية والمساءلة.
ولفت أكنوش إلى أن التحولات الاجتماعية العميقة التي عرفها المغرب خلال العقدين الأخيرين أثرت بشكل مباشر في طبيعة الجريمة والسلوك الاجتماعي، موضحاً أن المجتمع المغربي يعيش انتقالاً من البنية العائلية والعشائرية التقليدية نحو بنية فردية حضرية، وهو ما يفرض رؤية جديدة للأمن تأخذ بعين الاعتبار التحولات القيمية والثقافية التي مست المجتمع.
وأبرز أن المغرب يشهد اليوم تغيراً بنيوياً في خريطته الاجتماعية، حيث أصبحت المدن تحتضن حوالي 60 في المائة من السكان، مقابل تراجع نسبة سكان القرى، وهو ما ينعكس على أنماط الجريمة وردود الفعل تجاه القانون. كما أشار إلى أن التحول في حجم الأسرة المغربية، الذي لم يعد يتجاوز في المتوسط 1.3 طفل لكل أسرة، يدل على تغير نمط العيش والعلاقات الاجتماعية، مما يفرض على الدولة إعادة النظر في سياساتها الأمنية والاجتماعية.
وأكد الباحث أن هذه التحولات أدت إلى بروز ما وصفه بـ“الثقافة الأمنية الجديدة”، التي تسعى إلى جعل الأمن جزءاً من الحياة المدنية اليومية وليس مجرد أداة للمراقبة، مشدداً على أن الأجهزة الأمنية المغربية باتت أكثر انفتاحاً على المجتمع المدني، وأكثر إدراكاً لأهمية حقوق الإنسان في أداء مهامها.
وختم أكنوش تحليله بالتأكيد على أن إصلاح المنظومة الأمنية بالمغرب لم يعد مسألة تقنية، بل خياراً استراتيجياً مرتبطاً بالإصلاح السياسي الشامل، مشيراً إلى أن “الأمن أصبح اليوم مواطنةً لا رقابة، واستقراراً من أجل التنمية لا من أجل السيطرة”.