كشف تقرير صادر عن “World Population Review” لسنة 2025، أن المغرب يحتل المرتبة الثالثة على مستوى القارة الأفريقية من حيث معدلات الاكتئاب، حيث يعاني ما يقارب 2.3 مليون مغربي من هذا المرض، أي ما يعادل 6.54% من إجمالي السكان. وحسب التقرير الذي نقلته جريدة “لوماتان”، فإن المغرب يأتي خلف كل من تونس وليسوتو في هذا التصنيف المقلق، مما يضع البلاد أمام تحدٍ صحي واجتماعي حقيقي يتطلب تدخلاً عاجلاً من السلطات المعنية.
تشير هذه الإحصائيات إلى أن واحداً من كل خمسة عشر مغربياً يعاني من الاكتئاب، وهو رقم يفوق المعدلات المسجلة في العديد من الدول الأفريقية والعربية. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم المشكلة الصحية، بل تكشف عن أزمة اجتماعية واقتصادية عميقة تعصف بالمجتمع المغربي. فالاكتئاب ليس مجرد حالة نفسية عابرة، بل هو مرض خطير يؤثر على حياة الملايين من المواطنين وعلى قدرتهم على العمل والإنتاج والاندماج الاجتماعي.
ويُرجع مختصون هذا الارتفاع الخطير في معدلات الاكتئاب إلى عدة عوامل متشابكة، في مقدمتها البطالة المستفحلة التي يعاني منها آلاف الشباب المغربي. فالصعوبة المتزايدة في الحصول على فرص عمل تولد شعوراً عميقاً بالإحباط وفقدان الأمل في المستقبل، خاصة أن الشهادات الجامعية لم تعد ضماناً للاندماج المهني، والكثير من الخريجين يجدون أنفسهم في دوامة من الانتظار والبحث المضني عن لقمة العيش. هذا الواقع المرير يدفع بالشباب إلى اليأس والإحساس بالفشل، مما يجعلهم فريسة سهلة للاكتئاب والأمراض النفسية الأخرى.
كما تساهم التفاوتات الاجتماعية الصارخة بشكل كبير في تفاقم هذه الأزمة، حيث تخلق الفجوة المتزايدة بين الأغنياء والفقراء، وبين المدن الكبرى والمناطق النائية، شعوراً عميقاً بالظلم والحرمان لدى شريحة واسعة من المواطنين. فالمقارنة المستمرة بين الطبقات الاجتماعية، والشعور بالتهميش والإقصاء، يولدان إحباطاً نفسياً يتحول تدريجياً إلى اكتئاب مزمن. ويضاف إلى ذلك الضغوط المتعددة التي يواجهها المواطن المغربي في حياته اليومية، من ارتفاع تكاليف المعيشة إلى الضغوط الأسرية والاجتماعية المتعلقة بالزواج والإنجاب والمكانة الاجتماعية، كلها عوامل تُثقل كاهل المواطن وتدفعه نحو الهاوية النفسية.
رغم خطورة هذا الوضع، لا يزال قطاع الصحة النفسية في المغرب يعاني من نقص كبير في الموارد والمختصين، مما يحول دون حصول المرضى على العلاج المناسب في الوقت المناسب. فعدد الأطباء النفسيين والمراكز المتخصصة لا يتناسب مع حجم الطلب المتزايد، والكثير من المناطق النائية تفتقر تماماً لأي خدمات للصحة النفسية. هذا النقص الفادح في البنية التحتية يجعل الوصول إلى العلاج شبه مستحيل بالنسبة للفئات الفقيرة والمهمشة، مما يفاقم من معاناتهم ويحولها إلى أمراض مزمنة ومعقدة.
يضاف إلى هذه العوامل الموضوعية، مشكلة الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالأمراض النفسية في المجتمع المغربي، والتي تشكل عائقاً كبيراً أمام طلب المساعدة والعلاج. فالكثير من المصابين بالاكتئاب يفضلون الصمت والمعاناة في الخفاء، خوفاً من النظرة الدونية أو التهميش الاجتماعي أو وصفهم بـ”المجانين”. هذه النظرة السلبية المتجذرة في الثقافة الشعبية تدفع المرضى إلى إخفاء معاناتهم عن الأهل والأصدقاء، مما يزيد من تفاقم حالتهم الصحية ويمنعهم من الحصول على الدعم والعلاج اللازمين.
هذه الإحصائيات المقلقة تشكل جرس إنذار للسلطات المغربية، وتستدعي وضع استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة هذه الأزمة الصحية الصامتة. يتطلب ذلك في المقام الأول تعزيز البنية التحتية للصحة النفسية وزيادة عدد المختصين في هذا المجال، مع ضمان توزيعهم العادل على جميع مناطق المملكة. كما يجب إطلاق حملات توعوية واسعة النطاق للقضاء على الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالأمراض النفسية، وتشجيع المواطنين على طلب المساعدة دون خجل أو خوف. ومن الضروري أيضاً توفير خدمات الدعم النفسي المجاني أو بأسعار معقولة للفئات الهشة، حتى لا يكون العلاج حكراً على الأغنياء فقط.
لكن المعالجة الحقيقية لهذه الأزمة تتطلب أكثر من مجرد حلول صحية، فهي تستدعي معالجة الأسباب الجذرية من خلال سياسات اقتصادية واجتماعية تقلل من البطالة والفقر والتفاوتات الطبقية. فالاستثمار في التعليم والتكوين المهني، وخلق فرص عمل حقيقية للشباب، وتحسين ظروف العيش للطبقات الفقيرة والمتوسطة، كلها عوامل من شأنها أن تخفف من الضغوط النفسية والاجتماعية التي تدفع الملايين نحو الاكتئاب. فالصحة النفسية ليست مسألة طبية فقط، بل هي انعكاس مباشر للواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه المواطنون.
في الختام، تضع الأرقام الواردة في التقرير الدولي المغرب أمام مسؤولية تاريخية لإنقاذ ملايين المواطنين من براثن هذا المرض الصامت، الذي يهدد النسيج الاجتماعي للبلاد ومستقبل أجياله القادمة. فالاكتئاب ليس قضية فردية أو هامشية، بل هو أزمة وطنية تتطلب تعبئة جماعية من جميع الفاعلين، من الحكومة إلى المجتمع المدني إلى الأسر والأفراد. والتأخر في التصدي لهذه الأزمة بحزم وجدية قد يكون له ثمن باهظ يدفعه المجتمع المغربي بأسره على المدى البعيد.