أكد حسن طارق، وسيط المملكة، أن المغرب يعاني من عجز كبير في تدبير النزاعات الاجتماعية، مشيراً إلى غياب آليات فعالة للوساطة المجتمعية التي تعرضت للتعطيل بفعل التحولات الكبرى التي شهدها المجتمع المغربي.
جاء ذلك خلال لقاء مفتوح نظمه قطاع الشباب بالمحمدية، يوم الجمعة، حيث شدد طارق على أهمية هذا القطاع في التنشئة والتأطير الاجتماعي ومرافقة الشباب المغربي نحو تحقيق أحلامهم وتعلم الحياة.
وأوضح وسيط المملكة أن هناك حاجة ملحة للتواصل والحوار مع الشباب، مضيفاً: “نحن كمسؤولين في حاجة إلى الحوار المستمر والإنصات المستمر لغضب الشباب ولأفكارهم ولأحلامهم وطموحاتهم، ولا يمكن أن نتقدم إذا لم يكن هناك انفتاح ومرافقة وعمل إلى جانب هؤلاء الشباب”.
واعتبر طارق أن الرسالة الأساسية لقطاع الشباب تتمثل في مرافقة الأجيال الجديدة المقبلة على الحياة في شروط جديدة اقتصادية واجتماعية وسياسية وتكنولوجية، وتأمين هذا الانتقال بشكل سلس.
وفي معرض حديثه عن الوساطة الاجتماعية، أشار طارق إلى أن المجتمع بطبيعته ليس مجتمعاً للملائكة، بل هو تنظيم بشري تتجاور وتتزاحم فيه المصالح المختلفة الفئوية والجيلية والاقتصادية والسياسية والقيمية، وقد تتصادم أحياناً.
وأكد أن البشرية اخترعت آليات للوساطة تسعى إلى تأمين حلول ونزع فتيل النزاعات، لكن المغرب يعاني من ضعف في هذا المجال، موضحاً أن التجربة المؤسساتية المغربية تقتصر على حالتين: المادة العاشرة من القانون المنظم للمجلس الوطني لحقوق الإنسان التي تعطي للمجلس صلاحية الوساطة الاجتماعية في تدبير النزاعات أو الاحتجاجات، والصلاحيات المخولة لمؤسسة الوسيط في تدبير العلاقة بين المواطن والإدارة.
وقال طارق: “لدينا تجربة مؤسساتية متواضعة وفي بداياتها، ولدينا كذلك مبادرات مدنية ومجتمعية، لكن ما وقع في بلادنا وفي كثير من البلدان التي تعرضت لصدمات الاستعمار هو أن الأطر التقليدية التي كانت تؤطر المجتمع وتهيكله تعرضت لهزة عنيفة”.
وكشف وسيط المملكة أنه عندما يستقبل دبلوماسيين من البلدان الإفريقية، فإن سؤالاً يتكرر دائماً: “هل تتوفر بلادكم المغرب على مؤسسات تقليدية قديمة عريقة تمارس الوساطة في النزاعات الاجتماعية والمجالية كما هو الحال في العديد من الدول الإفريقية؟”
وأضاف: “جوابي يكون واحداً، وللأسف لا نتوفر على الكثير من هذه المؤسسات. المؤسسة التي ظلت موجودة هي مؤسسة ديوان المظالم، وهي المؤسسة التي يمثل الوسيط امتداداً حديثاً لها”.
وأكد طارق بكل صراحة ووضوح أن المغرب يعاني من “عجز كبير في استباق وتطويق وتدبير الكثير من النزاعات”، سواء كانت نزاعات أو توترات مرفقية تنتج عن علاقة المواطن بالإدارة، أو توترات حقوقية تنتج عن إشكالية الولوج إلى الحقوق وفعليتها.
ولتفسير هذا الوضع، قدم وسيط المملكة ثلاثة عناصر للتفكير، أولها أثر التحولات الاجتماعية الكبرى التي عرفتها البلاد منذ زمن الحماية، وأهمها تفكك منظومة التأطير الاجتماعي، حيث كانت هناك الجماعة والتنظيمات المهنية والعائلة الممتدة أو القبيلة، وكلها كانت تهيكل المجتمع وتؤمن إمكانيات التوفيق والتحكيم والوساطة.
وأشار إلى أن المجتمع المغربي يعيش منذ قرن ونصف ثلاثة تحولات كبرى مهيكلة:
أولاً: التحول الحضري، حيث انتقل المغرب من بلد قروي إلى بلد شبه قروي ثم إلى بلد شبه حضري فبلد حضري، إذ أصبح عدد سكان المدن يفوق بكثير عدد سكان القرى، وهذا له دلالاته السياسية والثقافية والقيمية.
ثانياً: التحول الثقافي، المتمثل في تدريس وولوج أبناء المغاربة إلى المدرسة، وهو حدث كبير ومهيكل للأفكار والتمثلات.
ثالثاً: التحول الديموغرافي، حيث كان المغرب بلداً بديموغرافية هشة قبل 150 سنة بعدد محدود من السكان، لكنه عاش انفجاراً ديموغرافياً كبيراً. وأوضح طارق أن هذا الانفجار السكاني ليس تحولاً كمياً فقط، بل يخفي تحولات كيفية كثيرة منها ظهور الأسرة النووية وتشبيب فئة الشباب.
وختم وسيط المملكة بالتأكيد على أن فئة الشباب، التي ظهرت بفعل المدرسة التي فرضت تقسيماً للزمن، أصبحت حاضرة بقوة بإشكالياتها وطموحاتها وحضورها الديموغرافي والقيمي، مضيفاً: “جيل الشباب هو الأقرب إلى التحولات التي تحدث في العالم وفي القيم”.