تستفيق “مدينة الانوار”، باريس، مع خيوط فجر الثلاثاء الحادي والعشرين من أكتوبر، على هدي واقعة جللة، تنسج بأصابعها الذهبية خرقة سابقة تطرز في سجل الجمهورية الخامسة، سابقة ستطبق على الأفق السياسي والقضائي في فرنسا، لترسل شهبها الى فضاءات الديمقراطيات الغربية قاطبة.

ففي مشهد ما كان ليجالس الخيال يوما، مشهد يرتفع بالإجلال إلى قمة سيادة القانون وشموخ استقلالية القضاء، يسدل ستار فترة من القلق المترصد بوصول رئيس سابق للجمهورية الى عتبة سجن “لا سانتيه” الشهير، ليجر خطاه نحو قضاء حكم ادانه بـ”تكوين عصابة اشرار” في ملف ارتعشت له اروقة تمويل حملته الرئاسية عام 2007. ان هذا الايداع، ليس مجرد اجراء روتيني يئن تحت وطأة البيروقراطية، بل هو رجع زلزال رمزي يبصم علامة فارقة في جبين تاريخ المؤسسات الفرنسية.

ان ولوج نيكولا ساركوزي، الذي احتل قمة الهرم يوما وتربع على عرش الاليزيه، الى زنزانة العزل، ليس خبرا عابرا يمر كغيمة صيف سريعة، بل هو صك شهادة دامغ يؤكد انه لا يعلو شان، ولا يشرف نفوذ سياسي، على ميزان العدالة في ظلال ديمقراطية متجذرة لا تهادن. انه البهاء القضائي الذي يضع القضاء الفرنسي في مصاف حراس المعبد، معلنا ببتر قاطع ان “عباءة الحصانة” تهوي وتتلاشى امام صلابة المقياس القضائي. هذه اللحظة تبث في فضاء النخب السياسية رسالة ناصعة البياض: السلطة التنفيذية ليست منذ الازل فوق شرعة القانون.

“لا سانتيه”: محراب المساواة الذي يشهد على عمق المبدأ الجمهوري

يرتقي التساؤل بحدة في صدى الاوساط الاعلامية والشارع الفرنسي: هل سيكسى الرئيس السابق بشفق معاملة استثنائية او ترف في محبسه؟ يتردد الجواب الاولي في اروقة العدالة الفرنسية كصدى ازلي يردد نشيد المبدأ الجمهوري: المساواة العمياء. فالرئيس السابق سيخضع لكل الاجراءات الروتينية التي يعبرها اي سجين. من التفتيش الدقيق الذي يجرده من مظاهره الثمينة، الى استلام “الحزمة” المتواضعة التي تشمل جوهر الحياة داخل السجن؛ سرير معدني صارم، وطاولة صغيرة تخلو من الابهة، ومرافق صحية مجردة من اي زخرف او امتياز.

سجن “لا سانتيه”، بشموخ تاريخه وصرامة سمعته، يصبح في هذه اللحظة تمثالا للمساواة المطلقة تحت سلطة القانون. ان هذه التسوية القسرية بين اعلى سلطة سابقة في البلاد وبين اي مواطن عادي هي نخاع الديمقراطية ومحور توازنها الراسخ.

هذا المشهد، بكل صفاء تفاصيله ووقعه القاسي، يتجاوز كونه عقوبة شخصية لمتهم، ليتحول الى اعلان سياسي بليغ الصدى ذي ابعاد دولية: ففي بلد تحكمه المؤسسات التي شيدت على مر قرون من الكفاح الجمهوري، يبقى القضاء هو المعيار الذي لا يميل ولا يحابي. استقلالية القضاء ليست مجرد حبر على ورق او مادة نظرية في الدساتير، بل هي فعل يمارس على مسرح الواقع، حتى لو كان المتهم في قفصه هو الرئيس الاسبق للجمهورية، صاحب اسمى منصب في الدولة. هذا التجرد من الانحياز، وهذا الاصرار على سريان القانون على الجميع بلا استثناء، هو قلب الميثاق الجمهوري ومفتاح صمود الديمقراطية الفرنسية امام رياح التحدي. انه يؤكد ان الجمهورية الخامسة تقترن قوتها بصلابة ونزاهة قضائها.

ملحمة قانونية جديدة: على ضوء اختبار “العدالة الناجزة”

في لجة هذه السابقة التي تخطف الانفاس، لم تتوقف دوامة الحركة القانونية. يتحرك محامو الرئيس السابق ببراعة المنازل لتقديم طلب الافراج الفوري، لتنطلق بذلك معركة قانونية جديدة امام محاكم اعلنت استقلاليتها بلا مداهنة او وجل من العواقب السياسية. ان المهل القانونية الممنوحة للقضاء للبت في مثل هذه القضايا، وان كانت تلامس شهرين، الا ان التوقعات وضغوط الراي العام تشير الى ضرورة انجاز العدل باقصى سرعة، لانهاء هذا الملف الذي استحوذ على لب الراي العام طويلا.

هذا الترقب يضع القضاء تحت مجهر الدقة مرة اخرى، ليؤكد قدرته على الفصل السريع والنزيه والمحايد في القضايا ذات الحساسية القصوى، ضاربا اروع الامثلة في تطبيق مبدأ “العدالة الناجزة”؛ اي العدالة التي تزهر في ميعادها دون مماطلة او تسويف. ان القرار القضائي القادم، سواء كان بالرفض او القبول للطلب، سيكون فصلا جديدا في سفر هذه الملحمة القانونية التي تبحر بها الجمهورية.

ان ايداع رئيس سابق السجن، بحكم قضائي لا يتاثر باضواء السلطة او هالة المنصب، هو تتويج لمسيرة طويلة من بناء دولة القانون والمؤسسات. انها اللحظة التي ترفع فيها الجمهورية الخامسة قبعتها اجلالا للقضاة، الذين اثبتوا بلا ريب ان القانون هو السيد الاوحد في هذه الارض، وان سيادة الشعب تتجسد بصورتها الاسمى في سيادة مؤسساته العادلة والمستقلة. الاعين كلها تترقب، ليس لمتابعة تفاصيل اقامة الرئيس السابق حسب، بل لمراقبة الكيفية التي بها يتم تتويج استقلالية القضاء على عرش السلطة، ليظل هذا الحدث نقطة تحول معيارية يهتدى بها في تاريخ الديمقراطيات. هذا هو الدرس البليغ الذي تقدمه فرنسا اليوم الى العالم كله.

السمات ذات صلة

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store