الرئيسية / ثقافة و فن / هل حولت ليلى سليماني «حكمة جدتها» إلى صورة نمطية عن المرأة المغربية؟

هل حولت ليلى سليماني «حكمة جدتها» إلى صورة نمطية عن المرأة المغربية؟

ثقافة و فن
راوية الذهبي 26 أكتوبر 2025 - 13:00
A+ / A-

أثار تصريح الكاتبة الفرنسية المغربية ليلى سليماني، خلال ظهورها على برنامج كندي شهير، موجة واسعة من الجدل في الأوساط الثقافية المغربية والعربية، بعد أن تحدثت عن “علاقة النساء المغربيات بالانتقام”، مستشهدة بما وصفته بحكمة جدتها التي كانت تقول: “في الحياة، هناك ثلاث أشياء مهمة: أن تشرب جيدًا، أن تأكل جيدًا، وأن تنتقم”.

هذا التصريح الذي جاء في سياق ترويجي لروايتها الجديدة “سأحمل النار”، فتح الباب أمام نقاش حاد حول حدود الإبداع الأدبي حين يلامس الهوية الجماعية، وحول ما إذا كانت سليماني قد انزلقت، من دون قصد ربما، إلى تعميم ثقافي يختزل النساء المغربيات في صورة نمطية مستهلكة في الأدبيات الغربية.

ففي الوقت الذي اعتبر فيه كثير من النقاد المغاربة أن حديث سليماني يندرج ضمن ما أسموه “التسويق الأدبي الموجه للغرب”، ويرسخ صورة “المرأة الشرقية المنتقمة” التي تُغري الذائقة الغربية الباحثة عن الإثارة والغموض، رأى آخرون أن الأمر لا يعدو أن يكون إساءة في التأويل، وأن الكاتبة استعملت الجملة في سياق أدبي محض، ضمن عمل يتناول الذاكرة العائلية والجرح الإنساني من خلال شخصيات تبحث عن الخلاص أكثر مما تبحث عن الثأر.

غير أن انتشار المقطع التلفزيوني على نطاق واسع في المنصات الرقمية، واقتطاعه من سياقه الأصلي، جعل الجملة تتحول إلى “عبارة ثقافية” تُنسب إلى النساء المغربيات عمومًا، وهو ما زاد من حدة السجال.

الانتقادات التي طالت سليماني انطلقت من كونها كاتبة تحمل صفة مزدوجة، مغربية وفرنسية، وتُقرأ أعمالها في الغرب بوصفها مرآة لشرقٍ “مختلف” يثير الفضول أكثر مما يعبّر عن ذاته الواقعية.

وقد رأى بعض الكتّاب أن الجملة المنسوبة إليها تندرج ضمن منظومة فكرية استشراقية ما تزال تتسلل إلى الأدب والسينما والإعلام الغربي، كما حللها إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق”، حيث يتم تحويل الشرق إلى مشهد للغرابة والعنف والشهوة والانتقام. ومن هذا المنطلق، اعتُبر حديث سليماني نوعًا من إعادة إنتاج لتلك النظرة، حتى وإن لم يكن ذلك مقصدها المباشر.

وفي المقابل، دافعت الكاتبة عن نفسها في حوارات لاحقة، منها حوار مطول مع صحيفة “لوموند” الفرنسية، أكدت فيه أن ما حركها في كتابة الرواية الجديدة ليس الانتقام بل الحب، موضحة أن استدعاءها للجملة العائلية لم يكن تعميمًا ثقافيًا بل استخدامًا أدبيًا لحكمة متوارثة تحضر في الذاكرة الجماعية المغربية كنوع من المزاح أو السخرية الشعبية. وأضافت أن “سأحمل النار” ليست رواية عن الغضب بل عن المصالحة مع الذات، وعن محاولة فهم جراح الماضي العائلي والسياسي.

القراءة المغربية للجدل بدت منقسمة بين من اعتبر أن سليماني، من موقعها ككاتبة نالت جائزة “غونكور” ومكانة دولية بارزة، تتحمل مسؤولية خاصة في اختيار كلماتها حين تتحدث عن المغرب، لأن أي عبارة صادرة عنها تُقرأ غربيا كوثيقة ثقافية، لا كمجرد تعبير شخصي، وبين من رأى أن تحميلها هذا العبء يتنافى مع حرية الإبداع وحق الكاتب في استلهام تجاربه الخاصة دون وصاية.

القضية إذن تتجاوز جملة عابرة إلى سؤال أعمق حول علاقة الأدب بالهوية وتمثيل الذات في زمن العولمة الثقافية. فالكاتب المغربي الذي يكتب بلغة أجنبية يجد نفسه دائما أمام معضلة مزدوجة: كيف يخاطب جمهورًا غربيًا دون أن يتحول إلى مترجم لصورته النمطية، وكيف يحافظ في الآن نفسه على صدقه الفني دون أن يُتهم بخيانة واقعه؟ في هذا التماس الدقيق بين التخييل والتمثيل تنشأ الكثير من التوترات التي تُغذي سجالات مشابهة.

ويشير بعض الباحثين في علم الاجتماع الثقافي إلى أن ما حدث مع سليماني يعكس أزمة أوسع تتعلق بتلقي الأدب العربي في الغرب، حيث يفضَّل أن يكون الكاتب “شاهدا على مجتمعه” أكثر من كونه “مبدعًا في ذاته”. فكل جملة تُقتبس منه تُقرأ كوثيقة أنثروبولوجية، وليس كصورة فنية. لذلك يصبح أي انزلاق لغوي قابلا للتحول إلى قضية هوية، كما حدث مع ليلى سليماني، التي تحولت عبارتها العائلية البسيطة إلى مرآة لأسئلة أعمق عن تمثيل المرأة المغربية في المخيال الأدبي الغربي.

وسط هذا الجدل، تظل الحقيقة الأدبية لرواية “سأحمل النار” أبعد من ضجيج التأويل. فهي عمل يستكمل ثلاثية روائية عن الذاكرة العائلية والتحولات المغربية من الاستقلال إلى الحاضر، حيث تختلط الأسئلة السياسية بالشخصية، والحكاية الفردية بالهوية الجماعية. لكن ما كشفه النقاش حول تصريح سليماني هو هشاشة الحدود بين الأدب والخطاب العام، بين الكلمة الفنية والجملة السياسية، بين ما يُقال في سياق الرواية وما يُفهم في سياق الواقع.

الحدث إذن ليس مجرد زلة لغوية ولا حملة رقمية، بل تجسيد حيّ للكيفية التي يُعاد بها تشكيل صورة المرأة المغربية في الفضاء العالمي: بين كاتبة تحاول استعادة صوتها الذاتي، ومجتمع يخشى أن يُختزل تاريخه في عبارة، وإعلام يبحث عن الإثارة أكثر من المعنى.

يشار إلى أنه في النهاية، تبقى المسافة بين النية والتأويل قصيرة جدًا في زمن المنصات، حيث يمكن لجملة أدبية أن تتحول في لحظة إلى جدل ثقافي عابر للحدود.

السمات ذات صلة

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة