رحيل هذا الفيلسوف وعالم الاجتماع الكبير لا يُمثّل حداداً على الفكر الإنساني وحسب، بل يُعلن نهاية حقبة بأكملها. برحيله، نلمس بأيدينا حدود طموحنا الحداثي في “التفكير الشامل”، في رغبتنا الدائمة في إخضاع كل شيء لمنظومات قراءة باتت أحياناً أكثر توحيداً مما ينبغي. وداعه يُجسّد ذلك القفز المُدوّخ الذي نعيشه جميعاً: الانتقال النهائي نحو المجهول. كما كان يصفه بإتقان في كتابه المعرفة، الجهل والغموض، فإن المغامرة الإنسانية لا تنفصل عمّا لا يمكنها أن تعقلنه.
اليوم، الوقت يداهمنا. ثمة إلحاح مطلق في وقف العودة إلى شريعة الغاب التي تكتسح كل شيء. أكثر من أي وقت مضى، يكمن الجوهر في عزمنا على إرساء حقوق الإنسان من خلال رسالة واضحة: المطالبة بعالمية القيم التي تزدهر في احترام تاريخ كل شعب وسيادته. هذا هو الترياق الوحيد العادل، بعيداً، كل البعد، عن سياسات “الكيل بمكيالين”.
علينا الآن أن نواجه غموض العالم دون أن نرتجف، مدججين بالإنسانية والعدالة والوضوح الأخلاقي الذي جسّده حتى سنّ 104 أعوام.
سفر موفق لهذا المهرّب العظيم للمعرفة.