في الخامس من نونبر من سنة 1975، صدح صوت الملك الراحل الحسن الثاني من مدينة أكادير بخطاب تاريخي ما زال صداه يتردد في وجدان المغاربة إلى اليوم، حين قال: “شعبي العزيز، لقد عزمنا، وعزمنا جميعاً، ككل مرة في التاريخ، قررنا أن نعزم عزمنا، وقررنا أن نسير بمسيرة سلمية خضراء، مدعَّمين بحقوقنا، محاطين بأشقائنا ورفاقنا، معتمدين قبل كل شيء على إرادتنا وإيماننا”.
بهذه الكلمات أطلق الملك الراحل شرارة واحدة من أعظم الملاحم السلمية في القرن العشرين، معلناً عن انطلاق المسيرة الخضراء التي جمعت أكثر من 350 ألف مغربي ومغربية، في مشهد جسّد عمق الإيمان الجماعي بعدالة القضية، ووحدة الإرادة الوطنية لاسترجاع الأقاليم الجنوبية للمملكة من الاستعمار الإسباني.
كانت المسيرة الخضراء، التي يحتفي بها المغاربة اليوم في ذكراها الخمسين، نموذجاً فريداً في التاريخ الحديث، إذ اختار المغرب أن يجعل من السلم طريقاً للتحرير، ومن الإيمان المشترك سلاحاً لاسترجاع الأرض. لم تكن مجرد حدث سياسي أو قرار استراتيجي، بل كانت تجسيداً لوعي جماعي بأن الأرض يمكن أن تُستعاد بالإرادة والوحدة، لا بالحروب والدماء.
لقد انتصر المغرب يومها لقيم الإيمان والتآزر والوفاء، في لحظة تاريخية أكدت للعالم أن علاقة المغاربة بوطنهم لا تحدها الجغرافيا، بل يصونها التاريخ والمصير المشترك.
لكن المسيرة الخضراء لم تتوقف عند حدود الرمال، بل تحولت إلى مسيرة متجددة في بناء الإنسان والمجتمع والعمران. فبعد تحرير الأرض، واصل المغاربة بقيادة جلالة الملك محمد السادس المسيرة نحو ترسيخ التنمية والديمقراطية في الأقاليم الجنوبية، لتتحول فلسفة المسيرة إلى سياسة دولة وورش وطني دائم. وكما قال جلالته في أحد خطاباته السامية: “إن المغرب المتشبث بوجوده على أرضه، الواثق من سيادته عليها، سيواصل مسيرة التنمية الشاملة للأقاليم الصحراوية، معتمداً في ذلك أوسع معاني وممارسات الديمقراطية، وأعلى درجات الجهوية واللامركزية وعدم التمركز”.
بهذا المعنى، لم تعد المسيرة حدثاً عابراً في التاريخ، بل تحولت إلى منظومة فكرية وتنموية قائمة على الوحدة والسيادة والعدالة المجالية. فقد أعادت المملكة بناء الأقاليم الجنوبية على أسس حديثة، فأنشأت مشاريع كبرى في مجالات البنية التحتية والطاقة والصناعة، وأطلقت استثمارات استراتيجية جعلت من الصحراء المغربية نموذجاً في التنمية والاستقرار على صعيد القارة الإفريقية.
كما عزز المغرب حضوره الدولي في الدفاع عن وحدته الترابية، عبر دبلوماسية نشطة ومقاربة واقعية جعلت مبادرة الحكم الذاتي الإطار الوحيد الجاد والعملي لتسوية النزاع المفتعل حول الصحراء، وهو ما كرّسه القرار الأممي الأخير رقم 2797 الذي تبناه مجلس الأمن بإجماع واسع.
خلال نصف قرن، انتقلت الصحراء من مجال نزاع إلى ركيزة للاستقرار والتنمية الإقليمية، وأضحت بفضل الرؤية الملكية المتبصرة فضاءً استراتيجياً يربط المغرب بعمقه الإفريقي، ومختبراً للتنمية المستدامة والديمقراطية الترابية.
فالمغرب، الذي خاض المسيرة بالأعلام والمصاحف، يواصل اليوم مسيرات أخرى من نوع جديد؛ مسيرات نحو العدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، وتعزيز مكانة الإنسان المغربي في صلب المشروع الوطني.
ويؤكد جلالة الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة الذكرى التاسعة والأربعين للمسيرة الخضراء أن “التضحيات التي قدمها جيل المسيرة تحفزنا على المزيد من التعبئة واليقظة قصد تعزيز المكاسب التي حققناها في ترسيخ مغربية الصحراء ومواصلة النهضة التنموية التي تعرفها أقاليمنا الجنوبية”. هذه الرسالة الملكية تختزل فلسفة المسيرة المتجددة التي لم تكن يوماً حدثاً في الماضي، بل مشروعاً مفتوحاً نحو المستقبل، يقوم على نفس القيم التي انطلقت منها: الإيمان، والوحدة، والوفاء للوطن.
خمسون سنة مرت على المسيرة الخضراء، وما تزال روحها تسكن ضمير المغاربة جميعاً. فقد أثبتت هذه الملحمة أن التاريخ يُصنع بإرادة الشعوب حين تتوحد خلف قيادتها، وأن القضايا العادلة لا تموت ما دام وراءها شعب مؤمن بحقّه ووطنه. واليوم، كما بالأمس، يتجدد العهد على مواصلة المسيرة، لا لعبور الرمال، بل لعبور التحديات، في سبيل مغرب موحد، مزدهر، ومؤمن برسالته التاريخية في بناء المستقبل.