الرئيسية / سياسة / مدينة العيون "تسيل لعاب" المستثمرين

مدينة العيون "تسيل لعاب" المستثمرين

العيون
سياسة
فريد أزركي 29 نوفمبر 2025 - 11:00
A+ / A-

لم تعد مدينة العيون، كبرى حواضر الصحراء المغربية، مجرد نقطة عبور جغرافية أو عنوان سياسي فحسب؛ بل تحولت في زمن قياسي إلى ورش تنموي مفتوح وقطب اقتصادي تنافسي يسيل لعاب المستثمرين من مختلف القارات. بفضل الرؤية الملكية المتبصرة وتنزيل النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، أصبحت المدينة اليوم “رقمًا صعبًا” في معادلة الاستثمار بشمال وغرب إفريقيا.

بنية تحتية بمواصفات عالمية: الشريان النابض للاستثمار

لا يمكن للرأسمال أن يغامر دون وجود بنية تحتية قوية، وهو ما أدركته الدولة المغربية مبكرًا. اليوم، ترتبط العيون بشبكة طرقية عصرية، أبرزها الطريق السريع تيزنيت-الداخلة، الذي قارب على الانتهاء، والذي سيقلص المدة الزمنية للنقل اللوجستي بشكل كبير، رابطًا أوروبا بعمق إفريقيا عبر العيون.

وبالموازاة مع ذلك، تعززت المدينة بمناطق صناعية ولوجستية من الجيل الجديد، مجهزة بأحدث التقنيات لاستقبال الوحدات الصناعية، مما يوفر وعاءً عقاريًا جاهزًا وتنافسيًا للمستثمرين الراغبين في التوطين السريع لمشاريعهم.

“فم الواد”.. قبلة الابتكار والطاقات المتجددة

لعل أبرز ما يجذب الاستثمارات الأجنبية اليوم هو التوجه نحو الاقتصاد الأخضر. هنا تبرز تكنوبول فم الواد كأيقونة علمية وصناعية. هذا المشروع الضخم الذي يحتضن جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، لا يهدف فقط لتكوين النخب، بل لخلق منظومة اقتصادية متكاملة (Ecosystem) تعتمد على البحث العلمي في مجالات الطاقات المتجددة، الفلاحة الملحية، وتثمين الثروات البحرية.

ومع تزايد الاهتمام العالمي بـ”الهيدروجين الأخضر”، تتموقع العيون كمنصة مستقبلية لإنتاج وتصدير هذه الطاقة النظيفة، مستفيدة من مؤهلات طبيعية استثنائية تجمع بين قوة الرياح وسطوع الشمس على مدار السنة.

قطاع الصحة والتكوين.. ضمانة للاستقرار الاجتماعي

يعي المستثمرون أن التنمية الاقتصادية لا تستقيم دون تنمية بشرية. وفي هذا الصدد، تشهد العيون ثورة صحية بتشييد المركز الاستشفائي الجامعي (CHU)، الذي يعد معلمة صحية ضخمة ستغني الساكنة عن التنقل للشمال، بالإضافة إلى كلية الطب والصيدلة. هذا التطور يعطي إشارات طمأنة للشركات العالمية بأن المدينة توفر جودة حياة عالية وموارد بشرية مؤهلة محليًا.

دبلوماسية القنصليات: ثقة سياسية تترجم إلى أرقام اقتصادية

لا يمكن فصل الدينامية الاقتصادية عن الانتصارات الدبلوماسية. إن افتتاح عشرات القنصليات لدول عربية وإفريقية بالعيون لم يكن حدثًا بروتوكوليًا فحسب، بل كان “شيكًا على بياض” لرجال أعمال هذه الدول. فقد تبعت هذه الخطوات الدبلوماسية وفود اقتصادية (من الإمارات، الأردن، والولايات المتحدة ودول إفريقية) لاستكشاف فرص الاستثمار في السياحة، الصيد البحري، والعقار، معتبرين العيون بوابة آمنة ومستقرة نحو السوق الإفريقية الواعدة.

أرقام ومعطيات (لغة المال والأعمال):

تشير آخر معطيات المراكز الجهوية للاستثمار إلى طفرة في خلق المقاولات بجهة العيون-الساقية الحمراء، حيث تجاوزت الاعتمادات المالية المخصصة للنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية سقف 77 مليار درهم، تم إنجاز جزء كبير منها. وتشمل الفرص الاستثمارية الحالية:

الصناعات الغذائية: تثمين المنتجات البحرية (التي تزخر بها سواحل المنطقة).

اللوجستيك: النقل والتخزين بفضل الموقع الاستراتيجي.

السياحة: تطوير سياحة الأعمال والسياحة الصحراوية.

الزراعة: مشاريع تحلية مياه البحر التي فتحت الباب لزراعات ذات قيمة مضافة عالية في قلب الصحراء.

تحول تنموي منذ الإستقلال

في تصريحه لموقع “فبراير.كوم”، كشف مريزيك عبيد، نائب رئيس جماعة العيون، عن حجم التحول التنموي الذي شهدته المدينة منذ الاستقلال عام 1975 إلى اليوم، مؤكداً أن هذه الطفرة جاءت بفضل الدعم الملكي المتواصل عبر عهدي الملك الحسن الثاني ومحمد السادس.

رداً على سؤال حول الفرق بين 1975 و2025، قال عبيد: “مدينة العيون كانت مدينة خلّاها الإسبان فيها نوع من المساكن ونوع من المؤسسات، ولكن ما بعد الاستقلال عام 75 خلق طفرة كبيرة جداً”.

وأوضح نائب رئيس الجماعة أن هذه الطفرة لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت “بدعم من جلالة الملك الحسن الثاني الذي أنجز البنية التحتية: الطرق، الماء الحار، الضوء، الماء، المطار، الميناء”، واصفاً ذلك بـ”المجهود الكبير” الذي أرسى الأساس لما تشهده المدينة اليوم.

وأضاف عبيد أن “جلالة الملك محمد السادس زاد في نوع آخر من التنمية وأطلق مشاريع ملكية”، في إشارة إلى النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية الذي انطلق منذ 2015.

وكشف نائب رئيس جماعة العيون عن معطى مهم يفسر خصوصية التنمية في المدينة، قائلاً: “جهتنا، جلالة الملك الحسن الثاني أعفاها من الضرائب، يعني ليس لها مدخل، واعتمادها على الدولة، والدولة هي التي تدعم جميع المشاريع الموجودة”.

وتساءل بشكل بلاغي: “الدولة من أين تجلب هذا الدعم؟ من الضرائب، ونحن لا نخلق ضرائب”، مشيراً إلى أن هذا الوضع الاستثنائي يتطلب إدارة حكيمة للموارد المتاحة.

لكن عبيد لم يخف التحديات التي تواجه هذا النموذج التنموي، موضحاً: إذا وجدت الأموال، وجدت الدعم، ولكن الرجال الذين يعملون ويخططون، يجب أن يكون عندك رجال أقوياء وعارفون كيف يسيّرون الأمور لتحقيق النتائج”.

وأكد أن التحدي الحقيقي يكمن في “خلق حلقة ثانية”، بمعنى ضمان وجود كفاءات إدارية وتقنية قادرة على تحويل الدعم المالي الضخم إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع.

يمثل نموذج العيون حالة فريدة في المنظومة الجماعية المغربية، حيث تعتمد المدينة بشكل كامل على الدعم المباشر من الدولة بدلاً من الموارد الجبائية المحلية، وهو ما يعكس الأولوية الاستراتيجية التي توليها الدولة للأقاليم الجنوبية.

وما يميز تجربة العيون، بحسب مريزيك، هو استمرارية الرؤية التنموية عبر عهدين ملكيين متتاليين، حيث أرسى الحسن الثاني البنية التحتية الأساسية، فيما أضاف محمد السادس بعداً استراتيجياً جديداً من خلال المشاريع الملكية الكبرى والنموذج التنموي المتكامل.

وبهذا، تظل العيون نموذجاً حياً لما يمكن أن تحققه الإرادة السياسية العليا مقترنة بالدعم المالي المباشر، رغم التحديات المرتبطة بتوفير الكفاءات القادرة على تحويل الرؤى إلى واقع ملموس يخدم ساكنة المدينة ويعزز مكانتها كقطب اقتصادي واعد.

بهذه الدينامية المتسارعة، تؤكد العيون أنها لم تعد مجرد مدينة صحراوية، بل أصبحت قطباً اقتصادياً عالمياً ينافس على استقطاب الاستثمارات الكبرى، ويشكل بوابة المغرب نحو إفريقيا والعالم، في تجسيد حي للرؤية الملكية التي جعلت من الصحراء المغربية قاطرة للتنمية الوطنية.

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة