سلطت ندوة نظمتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، الجمعة 28 نونبر 2025، الضوء على أحد أكثر أشكال العنف إشكالية وتعقيدًا في المنظومة القانونية وهو العنف القانوني باعتباره توصيف بات يحظى باهتمام متزايد من قبل الفاعلين الحقوقيين، لما يحمله من آثار عميقة على حقوق النساء ومسار العدالة.
وخلال الندوة التي خُصصت لتخليد اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد النساء، أكدت سعاد البراهمة، رئيسة الجمعية، أن العنف القانوني “هو العنف الذي تمارسه الدولة عبر القوانين نفسها”، سواء من خلال نصوص تمييزية أو مقتضيات غير منصفة، أو عبر بنى قانونية تلحق الضرر بفئات معينة دون مبرر. واعتبرت أن خطورة هذا النوع من العنف تكمن في كونه “ممنهجًا ورسميا”، ويمتد تأثيره إلى شرائح واسعة من المجتمع، مما يجعله من أشدّ أشكال العنف وقعًا وأكثرها استمرارية.
وأوضحت البراهمة أن العنف القانوني يتجلى في حالات لا يعترف فيها القانون بالعنف الذي تتعرض له النساء، أو عندما يؤدي إلى معاقبة الضحية بدل حمايتها، أو حين تتضمن النصوص القانونية مقتضيات تمييزية تُثني النساء عن التبليغ.
كما توقفت عند “الفراغات القانونية” في مدونة الأسرة والقانون الجنائي، معتبرة أن هذه الثغرات تُتيح للمعتدين استغلالها، خاصّة مع غياب تجريم بعض أشكال العنف الاقتصادي والنفسي، وعدم الاعتراف ببعض صور العنف الزوجي.
وانتقدت المتحدثة القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، معتبرة أنه “يختزل الظاهرة في بعض الأفعال المعاقب عليها جنائيًا، دون رؤية شمولية تعالج الأسباب البنيوية للعنف”.
وأبرزت أن القانون “لم يقترب من مكامن التمييز في الإرث، ولا من النصوص المرتبطة بالحرية الجسدية والعلاقات الشخصية”، ما يجعل أثره محدودًا وغير قادر على الاستجابة لعمق الإشكالات القائمة.
من جهتها، شددت المحامية والقيادية الحقوقية سميرة اشهبار على وجود “فجوة واسعة بين التزامات المغرب الدولية وبين تنزيلها في التشريعات والممارسات”.
وأكدت أن مقترحات تعديل مدونة الأسرة “تعاني من غموض كبير يجعل ما يُمنح للمرأة بيد يُسحب منها باليد الأخرى”، معتبرة أن محاولة التوفيق بين المعايير الدولية والفقه التقليدي تُنتج حلولًا ملتبسة لا تنسجم مع التحولات الاجتماعية الراهنة.
وطالبت اشهبار بإلغاء النصوص المجحفة في حق النساء، وعلى رأسها المادة 51 التي تتيح للزوج رفع دعوى الرجوع إلى بيت الزوجية، وتعديل المادة 94 لتشمل اقتسام الممتلكات المكتسبة خلال الزواج، باعتبار ذلك “خطوة أساسية لإنصاف النساء وحماية حقوقهن عند انتهاء العلاقة الزوجية”.
كما دعت المتحدثة إلى إطلاق حملات وطنية للتوعية بالحقوق، وفضح الممارسات التمييزية، بما في ذلك أشكال العنف القانوني التي قد تُمارس تحت غطاء الاجتهاد القضائي، مؤكدة أن الإصلاح التشريعي الشامل هو السبيل الوحيد لتعزيز الثقة في القانون وضمان حماية فعلية وفعّالة للنساء.
وتكشف هذه المداخلات، في مجموعها، أن النقاش حول العنف ضد النساء لم يعد مقتصرًا على الأبعاد الاجتماعية والأسرية، بل انتقل إلى مساءلة بنية التشريع نفسه، باعتباره مدخلًا جوهريًا لتحقيق المساواة وترسيخ الحقوق، في انتظار إصلاحات أعمق تعكس حجم التحولات وتطلعات المجتمع المغربي.