كشف تقرير حديث حول وضعية الحماية الاجتماعية في المغرب عن صورة مركّبة تتقاطع فيها مكتسبات مهمة مع اختلالات بنيوية تُبطئ مسار تحقيق العدالة الاجتماعية.
التقرير الذي أنجزه المركز المغربي للحكامة والتسيير بشراكة مع مؤسسة KSA الألمانية، يعرض معطيات دقيقة تكشف استمرار فجوات كبرى في التغطية الصحية، أنظمة التقاعد، تشغيل الشباب، وحماية الفئات الهشة.
وتفيد أبرز النتائج بأن 23% من المغاربة، ما يقارب 8,5 ملايين شخص، لا يستطيعون الولوج الفعلي للعلاج رغم تسجيل جزء منهم في أنظمة التأمين الصحي، فيما يظل حوالي 5 ملايين مواطن خارج أي تغطية طبية.
أما الذين يظهرون كمسجلين في اللوائح الرسمية (31,8 مليون نهاية 2024)، فإن 3,5 ملايين منهم في وضعية حقوق مغلقة، ما يفقدهم القدرة على الاستفادة.
ويسجل التقرير تفاوتاً جهوياً صارخاً، إذ يتركز 65% من البنيات الصحية في خمس جهات فقط، مقابل خصاص مهول يبلغ 32 ألف طبيب و65 ألف ممرض وفق معايير منظمة الصحة العالمية. ونتيجة ذلك، يتجه أكثر من 90% من المنخرطين نحو القطاع الخاص، فيما لا تتجاوز نسبة ملء المستشفيات العمومية 52% مقابل 80% في الخاصة، ما يزيد الضغط على أنظمة التأمين ويرفع كلفة العلاج، خصوصاً وأن قطاع الأدوية يستهلك 33% من نفقات التأمين الإجباري عن المرض (AMO).
وفي ما يتعلق بالتقاعد، يكشف التقرير عن هشاشة كبيرة، حيث 60% من الساكنة النشيطة (أكثر من 6 ملايين شخص) خارج أي نظام تقاعد. أما داخل النظام العمومي، فقد تراجع معدل المساهمين لدى CMR إلى 1,14 مقابل كل متقاعد، وهو مؤشر خطير على اختلال التوازن المالي. وعلى مستوى CNSS، بلغ عدد المستفيدين من المعاشات 753 ألف شخص، بمتوسط معاش لا يتجاوز 1.814 درهم شهرياً.
وتتعمق الصورة قتامةً مع أرقام البطالة: 12,8% على المستوى الوطني، و35,8% لدى الشباب، و19,9% لدى النساء، إضافة إلى 1,5 مليون شاب في وضعية NEET (خارج التعليم والتكوين والشغل). كما أن نصف طلبات الاستفادة من تعويض فقدان الشغل تُرفض نتيجة شروط الولوج المعقدة.
أما الأشخاص في وضعية إعاقة، فلا يتوفر على تغطية صحية سوى 34,1% منهم، في وقت يبقى العمل ببطاقة الإعاقة محدوداً جغرافياً. وبخصوص حوادث الشغل، يسجل المغرب أكثر من 2000 وفاة سنوياً، مقابل أقساط تأمين لم تتجاوز 2,55 مليار درهم سنة 2023.
وفي جانب الطفولة، يشير التقرير إلى أن الدعم المباشر للأطفال سيرتفع إلى 300 درهم شهرياً سنة 2026، وإلى 400 درهم للأطفال في وضعية إعاقة، فيما يمكن للأسر الفقيرة الحصول على دعم يصل إلى 500 درهم وقد يتخطى 1.000 درهم في حالات خاصة، إلى جانب منحة الولادة المحددة في 2.000 درهم للمولود الأول و1.000 درهم للثاني.
ويحذر التقرير من تأثير القطاع غير المهيكل على استدامة الورش، إذ يمثل 33% من الناتج الداخلي و2,5 مليون مشتغل، مما يحد من قدرة الدولة على تعزيز مداخيل الحماية الاجتماعية.
وفي خلاصته، يؤكد التقرير أن نجاح ورش الحماية الاجتماعية يتطلب معالجة “تحديات جوهرية” تتعلق بالتمويل، الحكامة، العدالة المجالية، واستهداف الأسر الهشة، إضافة إلى تقليص الفجوة المتسعة بين القطاعين العام والخاص في تقديم الخدمات الصحية، لضمان ولوج متكافئ للحقوق الأساسية وتحقيق تحول اجتماعي مستدام.

