لا يمكن قراءة تاريخ المملكة المغربية كحقب زمنية منفصلة، بل كسيرورة طويلة من الانصهار البشري والثقافي، شكلت ما يصطلح عليه اليوم بـ”تامغرابيت”. هذه الهوية الفريدة هي حقيقة أنثروبولوجية وتاريخية تجد جذورها في التلاحم العضوي بين المكون الأمازيغي (الأصل والجذور) والمكون الصحراوي الحساني (الامتداد والعمق)، تحت مظلة الدولة الأمة التي استمرت لقرون.
الأمازيغية: الجذور الضاربة وحصن المقاومة
تشير مصادر تاريخية، بدءاً من كتابات ابن خلدون وصولاً إلى المؤرخين المعاصرين، إلى أن القبائل الأمازيغية شكلت دائماً العمود الفقري للدولة المغربية، ليس فقط ديموغرافياً بل سياسياً وعسكرياً، ففي زمن الاستعمار، كانت المقاومة المسلحة في جبال الأطلس والريف (عبد الكريم الخطابي، موحى أوحمو الزياني، عسو أوبسلام) تنطلق من دافع ديني ووطني موحد للدفاع عن “حوزة الوطن” وعن السلطان، وهو ما يؤكد أن الأمازيغية كانت دائماً لغة الانتماء للأرض والوفاء للعرش.
وفي هذا السياق، يعتبر دستور 2011 وثيقة تاريخية حاسمة، حيث نص في ديباجته بوضوح على أن: “المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوجدتھا الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات ھويتھا الوطنية، الموحدة بانصھار كل مكوناتھا، العربية الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية…”.
هذا الاعتراف الدستوري جاء تتويجاً لمسار طويل أكده جلالة الملك محمد السادس في خطاب أجدير التاريخي (2001)، حين قال: “إن الأمازيغية مكوّن أساسي للثقافة الوطنية، وتراث ثقافي زاخر، شاهد على حضورها في كل معالم التاريخ والحضارة المغربية”.
الصحراء المغربية: البيعة والامتداد الروحي
وبالنظر إلى الشق الجنوبي للهوية، لا يمكن فصل المكون الصحراوي الحساني عن التركيبة المغربية. تاريخياً، وثقت “رسائل البيعة” المحفوظة في الخزائن الملكية والوطنية العلاقة الروحية والسياسية بين سلاطين الدولة العلوية وشيوخ القبائل الصحراوية.
ويبرز هنا اسم الشيخ ماء العينين، العالم والمقاوم الصحراوي الذي أسس مدينة السمارة، كرمز لهذا التلاحم، فالمصادر التاريخية تؤكد أن حركته الجهادية ضد الاستعمار الفرنسي والإسباني كانت تتم باسم السلطان المغربي وبدعم منه، حيث كان يعتبر نفسه ممثلاً للسلطة المركزية في الصحراء.
ويقول المؤرخ والمفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري في قراءاته للتاريخ المغربي، إن المغرب تميز بكونه “دولة مركبة” ثقافياً لكنها “بسيطة وموحدة” سياسياً، حيث تتمازج الثقافة العالمة بالثقافة الشعبية، والعربية بالحسانية والأمازيغية، دون أن يلغي طرف الآخر.
الهوية المتعددة.. قوة ناعمة في مواجهة التحديات
إن الاعتراف بالرافد الصحراوي الحساني كجزء لا يتجزأ من الهوية المغربية ليس وليد الصراع المفتعل حول الصحراء، بل هو واقع معاش. فالموسيقى، والشعر، والعادات في الأقاليم الجنوبية للمملكة، هي امتداد طبيعي لثقافة “البيضان” التي تجد صداها في مراكش وفاس ومكناس عبر التاريخ.
وفي تصريح سابق يعكس هذا التوجه، أكد الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة الذكرى 42 للمسيرة الخضراء: “إننا لا نفرق بين الثقافة الحسانية، والثقافة الأطلسية والسوسية، وبين الثقافة الريفية والشرقية، والشمالية… فكلها ثقافات مغربية، تشكل في تلاحمها وتناغمها، الهوية الوطنية الموحدة”.
اليوم، ونحن في سنة 2025، يبدو أن المغرب قد نجح في كسب رهان “الهوية الجامعة”. فالمغربي اليوم يعتز بلسانه الأمازيغي، ويطرب للإيقاع الحساني، ويفخر بانتمائه العربي الإسلامي، في خلطة سحرية تحمي البلاد من نزعات التفرقة التي تعصف بدول أخرى. إنها “تامغرابيت”؛ حيث التاريخ ليس مجرد ذاكرة، بل هو الحصن المنيع للمستقبل.