دعا عبد الجبار الرشيدي، عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، إلى ضرورة إجراء “مكاشفة حقيقية” بين الفاعل السياسي والجسم الأكاديمي لتبديد سوء الفهم والصور النمطية التي تلاحق الأحزاب المغربية، مؤكداً أن أزمة السياسة ليست استثناءً مغربياً بل هي جزء من تحولات عالمية عميقة أفرزت صعوداً مقلقاً للتيارات الشعبوية.
جاء ذلك خلال مداخلة له في ندوة نظمتها شعبة القانون العام وفريق البحث في الأداء السياسي والدستوري، حيث قدم الرشيدي قراءة نقدية لواقع “أعطاب السياسة”، مشدداً على أن السياق العالمي منذ الأزمة الاقتصادية لعام 2008 ساهم في صعود أحزاب جديدة تتبنى خطابات عاطفية تقوم على ثنائية “نحن الخير وهم الفساد”.
التكنولوجيا تهدد الديمقراطية التمثيلية
وفي تشخيصه لتأثير التكنولوجيا على المشهد السياسي، وصف الرشيدي منصات التواصل الاجتماعي بأنها “الحاضنة الرئيسية والراعي الرسمي للخطاب الشعبوي”. وأشار إلى أن التدفق الرقمي أفرز تيارات تعبيرية غير مؤطرة، مستحضراً نموذج “السترات الصفراء” في فرنسا، حيث وجدت دولة ديمقراطية عريقة نفسها في مواجهة الشارع وتغييب المؤسسات المنتخبة.
وحذر القيادي الاستقلالي من خطورة الانحرافات التي تشهدها هذه المنصات، حيث بدأ يظهر تكتل “عرقي وقبلي” يجمع الناس بناءً على الانتماء الجغرافي أو الهوياتي بدلاً من الأفكار والمشاريع السياسية، مما يشكل تهديداً لتماسك المجتمع والديمقراطية التمثيلية، وهو ما تنبهت له الأمم المتحدة سابقاً.
ولم يغفل الرشيدي استحضار “الشرط التاريخي” لفهم عزوف المواطنين، مقراً بأن الأحزاب الوطنية عانت في فترات سابقة من التضييق وتزوير الإرادة الشعبية، مما رسخ في الذهنية الجماعية فكرة أن “اللعبة محسومة”، وهي الصورة التي لا تزال تلقي بظلالها إلى اليوم.
وعن مدى مواكبة الأحزاب للتحول الرقمي، اعترف المتحدث بأن البنيات الحزبية التقليدية تواجه تحدياً كبيراً في استيعاب هذه الطفرة، مشيراً إلى أن حزب الاستقلال يحاول المزاوجة بين “تجذره الترابي التاريخي” وحضوره في الفضاء الافتراضي رغم محدودية الإمكانيات اللوجستيكية، وذلك للتواصل مع جيل جديد من المواطنين.
ورداً على المقولة السائدة بأن “الأحزاب سواسية والبرامج متشابهة”، رفض الرشيدي هذا الطرح واصفاً إياه بـ”المغالطة الكبرى”. وأوضح أن الأحزاب تختلف في مرجعياتها ومنطلقاتها الفكرية.
وفي هذا السياق، دافع عن هوية حزبه، موضحاً أن حزب الاستقلال يستند إلى “التعادلية الاقتصادية والاجتماعية” التي أبدعها الزعيم علال الفاسي عام 1963. وأكد أن هذا النموذج المغربي الصرف يختلف عن الليبرالية والاشتراكية التقليدية، حيث يقوم على تكافؤ الفرص، دعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، والنهوض بالطبقة الوسطى، وهو ما يمنح الحزب بصمة خاصة تميزه عن باقي الفرقاء السياسيين.