كشف تقرير حديث لمجلس المنافسة عن واقع مثقل بالاختلالات البنيوية والهيكلية داخل سوق المطاحن والدقيق بالمغرب، واقعٌ تتشابك فيه عناصر التمركز الاقتصادي، هشاشة البنيات الإنتاجية، الريع المرتبط بآلية الدعم، وارتفاع غير مسبوق في استهلاك الخبز والدقيق المدعم. ويقدم التقرير صورة دقيقة لسوق يعاني من عدم التوازن، تتصدره مجموعات كبرى تمتلك اليد العليا في الإنتاج، مقابل عشرات الفاعلين الصغار الذين يكافحون من أجل البقاء في سوق يتسم بالتعقيد وتفاوت القدرات.
فوفق المعطيات المنشورة في أكثر من 150 صفحة، يستحوذ سبع فاعلين رئيسيين فقط من أصل 99 شركة على ما يقارب نصف إنتاج القمح اللين وطنيا، وهو تمركز اعتبره المجلس مثيرا للمخاوف بشأن وضع مهيمن قد يؤثر في الأسعار وشروط المنافسة، خاصة في ظل ارتفاع مؤشر هيرفندال-هيرشمان إلى مستويات تعكس تركيزا مرتفعا في سوق تعتبر أساسية في السلسلة الغذائية للمغاربة.
ويؤكد التقرير أن الفاعلين الكبار أصبحوا قادرين على التأثير في اتجاهات السوق، مستفيدين من إمكانيات تقنية واستثمارية لا تتوفر لباقي المطاحن التي تعاني أغلبها من هشاشة بنيوية وتقنية، أدت في حالات كثيرة إلى توقف نشاط بعض الوحدات.
ويبرز التقرير أن القطاع يعيش حالة من “التطور غير المتكافئ”، إذ يظل الإنتاج موجها نحو مواد تقليدية كالدقيق الوطني للقمح اللين والنخالة، في وقت يعرف فيه الاستهلاك العالمي تغيرات عميقة تتطلب التنويع والابتكار.
ويعزز هذا الخلل استمرار اعتماد السوق المحلية بشكل كبير على القمح اللين بنسبة 85% من الطاقة الإجمالية للمطاحن، بينما لا تتجاوز حصة القمح الصلب 14% والشعير 1% فقط، وهو ما يعكس ضعف القدرة على تنويع المواد وتطوير منتجات ذات قيمة مضافة أعلى.
ولا يقف التقرير عند حدود بنية السوق فقط، بل يسلط الضوء على الاختلالات العميقة التي يشهدها نظام دعم الدقيق، الذي تحول حسب وصف مجلس المنافسة إلى آلية تنتج “ريعا اقتصاديا” لفائدة بعض الشركات، بعدما انحرف تدريجيا عن هدفه الأصلي المتمثل في حماية القدرة الشرائية وضمان استقرار السوق.
وأظهر التقرير وجود فجوة لافتة بين السعر الداخلي للقمح اللين وأسعاره في الأسواق الدولية، بعدما بلغ 446 درهما للقنطار سنة 2023، وهو مستوى أعلى مقارنة بدول منتجة رئيسية مثل فرنسا وروسيا والأرجنتين. ويرى المجلس أن هذا الفارق يؤثر سلبا على تنافسية المنتج المحلي، ويشجع على استمرار اعتماد المستهلكين على الدقيق المدعم، بما يحد من دينامية التطوير والابتكار داخل السوق.
وفي جانب آخر، يكشف التقرير عن معطيات مقلقة تتعلق بارتفاع ملحوظ في استهلاك الخبز والدقيق المدعم خلال الفترة 2019–2024، استنادا إلى بيانات الجامعة الوطنية للمخابز والحلويات.
فقد ارتفع إجمالي كميات الدقيق المستخدمة من 10.35 مليون قنطار إلى 13.33 مليون قنطار، فيما ارتفع حجم الدقيق الموجه لإنتاج الخبز المدعم من 6.9 ملايين إلى 8.89 ملايين قنطار خلال الفترة ذاتها. ومع أن هذه الأرقام تعكس قدرة نسبية على ضمان الاستقرار الغذائي، إلا أنها تكشف أيضا اختلالات عميقة تتعلق بالإهدار الكبير للخبز، الذي يقدَّر بـ30 مليون وحدة يوميا، وهو رقم يضغط على منظومة الدعم ويكلف الاقتصاد خسائر ثقيلة.
ويُبرز التقرير أن الجزء الأكبر من ارتفاع استهلاك الخبز المدعم يعود إلى مجموعة عوامل متداخلة؛ بينها تخفيض وزن وحدة الخبز من 160 إلى 150 غراما، توسع المدن، تغير أنماط الاستهلاك، إضافة إلى تأثيرات زلزال الحوز الذي أدى إلى ارتفاع الطلب على الخبز المدعم لتلبية الحاجيات الإنسانية الطارئة، وهو ما رفع الإنتاج إلى مستوى قياسي بلغ 7.58 مليارات وحدة خلال موسم 2023/2024.
ورغم أن آلية الدعم الحالية ساهمت في تثبيت سعر الخبز عند 1.2 درهم للوحدة وحمت الأسر الهشة من تقلبات الأسعار، إلا أن التقرير يحذر من تحديات تتعلق بضعف استهداف الدعم، ووجود قطاع غير رسمي يخلق منافسة غير عادلة، وتراجع جودة الإنتاج لدى عدد من المخابز، إضافة إلى الكلفة المالية المرتفعة التي يتحملها ميزان الدولة في ظل توسيع قاعدة الاستهلاك.
ويتوقف التقرير أيضا عند مقارنة معيارية بين تجارب دولية متعددة في مجال دعم الخبز، مبرزا أن المغرب يعتمد نظام دعم مباشر للدقيق، مقابل نماذج أكثر استهدافا كما هو الحال في مصر التي تعتمد بطاقات إلكترونية، أو إيران التي تلجأ إلى التحويلات النقدية المباشرة، التي ورغم نجاحها المالي ساهمت في تأجيج التضخم. أما الجزائر فتتبنى دعما شاملا وغير موجه، بكلفة مالية ثقيلة على الموازنة.
وفي ختام تحليله، يؤكد مجلس المنافسة أن إصلاح القطاع يتطلب مراجعة شاملة لمنظومة الدعم، ترتكز على العدالة في التوزيع، وترشيد الإنفاق، وتحسين استهداف الفئات الهشة، وتطوير سلسلة الإنتاج، مع تعزيز شفافية السوق وخلق بيئة تنافسية متوازنة تُمكن الفاعلين الصغار من الاندماج وتدعم قدرات الفاعلين الكبار دون أن يتحول ذلك إلى احتكار.