“العشوائية المقننة” وغياب المواكبة الاجتماعية وراء مآسي السكن بالمغرب
لم يكن انهيار العمارتين السكنيتين بحي “المستقبل” بمنطقة بنسودة في فاس مجرد حادث عرضي، بل تحول إلى جرس إنذار قوي أعاد إلى الواجهة النقاش حول نجاعة السياسات العمومية في مجال السكن، وكشف عن اختلالات بنيوية عميقة في تدبير ملف “مدن بدون صفيح” ومنظومة التعمير بالمملكة.
وفي قراءة تحليلية للحادث، أكد خبراء في السياسات العمومية والمالية أن المقاربة المعتمدة في برنامج “مدن بدون صفيح”، الذي انطلق منذ عام 2004، شابتها نواقص قاتلة رغم الأرقام الإيجابية المعلنة (تحسين ظروف عيش 496 ألف أسرة).
وأوضح خبراء في السياسات المالية، أن حي بنسودة الذي شهد الفاجعة، يضم كثافة سكانية هائلة (قرابة 385 ألف نسمة) وشُيد فوق أراضٍ فلاحية تخترقها أودية، مما يجعلها مناطق هشة جيولوجياً. وأشار إلى أن “الخطيئة الأصلية” تمثلت في اعتماد الدولة على مقاربة توزيع البقع الأرضية لإعادة الإيواء، دون مراعاة الهشاشة المالية للأسر المستفيدة.
هذا الوضع دفع العديد من الأسر، في ظل غياب التمويل، إلى البناء بطرق غير قانونية ومخالفة لضوابط السلامة، مما حول أحياء إعادة الإيواء من حلول سكنية لائقة إلى ما وصفه الخبير يونس طيب بـ “الصفيح العمودي”، حيث تحولت البراريك الأفقية إلى عمارات شاهقة تفتقر لأدنى شروط المتانة والجودة.
وعلى مستوى المراقبة، كشفت المعطيات عن واقع صادم يتعلق بضعف الموارد البشرية المخصصة لزجر مخالفات التعمير. فمدينة بحجم فاس لا تتوفر سوى على 11 مراقباً للتعمير، وهو رقم هزيل يجعل من المستحيل تغطية التجاوزات العمرانية في مدينة تتوسع بسرعة.
وفي هذا السياق، انتقد مراقبون التأخر التشريعي، مشيرين إلى غياب “مدونة جامعة للتعمير” والاكتفاء بقوانين متفرقة (مثل قانون 12.66) التي، رغم أهميتها، تصطدم بضعف آليات التنزيل وتداخل الاختصاصات بين المنتخبين والسلطات المحلية والوكالات الحضرية.
من جانبه، شدد يونس تايب، المختص في الحكامة الترابية، على أن أزمة السكن في المغرب ليست تقنية فحسب، بل اجتماعية بامتياز. وأوضح أن عمليات الترحيل غالباً ما تفشل لأنها تقتلع السكان من محيطهم الاقتصادي والاجتماعي وترميهم في هوامش بعيدة دون مواكبة حقيقية، مما يفكك الروابط الاجتماعية ويضرب مصادر رزقهم، ويحول الأحياء الجديدة إلى بؤر للبطالة والهدر المدرسي.
وخلص النقاش إلى أن تفادي تكرار “سيناريو فاس” يقتضي قطيعة مع “المقاربة التقنية والرقامية” التي تركز على عدد الوحدات المنجزة، لصالح مقاربة شمولية تضع الإنسان في صلب العملية العمرانية. ودعا الخبراء إلى ضرورة تحيين خريطة المخاطر (المناطق المهددة بالفيضانات أو الانهيار)، وربط المسؤولية بالمحاسبة بصرامة، وتوفير مواكبة مالية واجتماعية حقيقية للفئات الهشة، لضمان أن يكون الحق الدستوري في السكن اللائق وسيلة لصون الكرامة لا سبباً في المآسي.