عاشت المنطقة المخصصة للتصريحات الصحافية (Mixed Zone) بالملعب الكبير لمراكش، مساء السبت عاشر يناير 2026، على وقع أحداث خطيرة وغير مسبوقة، عقب نهاية مباراة الجزائر ونيجيريا في ربع نهائي كأس الأمم الإفريقية، التي أسفرت عن إقصاء المنتخب الجزائري بهدفين دون رد، في نسخة تعد من أنجح الدورات القارية التي احتضنتها المملكة المغربية عبر ست مدن وتسعة ملاعب.
وبحسب معطيات متطابقة وشهادات استقتها “فبراير” من صحافيين مغاربة وآخرين من الجزائر استنكروا تصرفات بعض زملائهم، فإن الإقصاء شكل شرارة لحالة من الانفلات والسلوكيات غير المهنية، صدرت عن عدد من الصحافيين والمصورين الجزائريين، وامتدت من محيط المستطيل الأخضر إلى ممرات الملعب وغرفه الخلفية.
من المستطيل الأخضر إلى “الميكس زون”
البداية، وفق مصادرنا، تعود إلى توثيق أحد المراسلين المغاربة لمشاهد توتر شديدة أعقبت نهاية المباراة، حيث واصل بعض لاعبي منتخب الجزائر احتجاجاتهم واعتداءاتهم اللفظية على حكم اللقاء، ليس فقط داخل أرضية الملعب، بل حتى في الممرات المؤدية إلى مستودعات الملابس. كما رصد المقطع المصور سلوكات وصفت بغير الطبيعية من بعض المحسوبين على البعثة الإعلامية الجزائرية.
وبمجرد انتشار المقطع، دخلت أطراف جزائرية في حالة استنفار، وشرعت في البحث عن صاحب الفيديو داخل المنطقة المختلطة، في تصرف اعتبره صحافيون حضروا الواقعة خرقا خطيرا لأخلاقيات المهنة وضوابط العمل الصحافي، خاصة في تظاهرة قارية يفترض أن تمثل فيها وسائل الإعلام بلدانها بأفضل صورة.
فوضى واعتداءات جسدية
وتؤكد شهادة صحافية مغربية كانت حاضرة بعين المكان، أن الأجواء داخل الميكس زون كانت متوترة منذ اللحظات الأولى بعد صافرة النهاية، خاصة أثناء توزيع منتوجات إحدى الشركات الراعية، حيث ساد تدافع كبير من الصحفيين الجزائريين لأخذ حصة لهم بعدما تهافتت عناصر بالبداية لأخذ كميات كبيرة وسط صعوبة للتنظيم داخل فضاء ضيق ما خلق حالة من الفوضى.
وفي خضم هذا الارتباك، قام صحافي محلي من مدينة مراكش بتصوير المشهد، الأمر الذي اعتبره بعض الصحافيين الجزائريين استفزازا وفضحا لصورة محرجة، لتتحول المشاحنات اللفظية سريعا إلى اعتداءات جسدية.
وأقدم أحد الصحافيين الجزائريين على توجيه ضربة مباشرة لزميل مغربي بركلة على وجهه، قبل أن يتعرض عنصر أمن خاص، كان يحاول تهدئة الوضع، لاعتداء مماثل، ما أدخل المنطقة في حالة من الفوضى والهلع.
فيديو قلب الموازين
وفي لحظة حاسمة، تمكن مصوران تابعان لموقعين مغربيين من توثيق الاعتداءات في شريط فيديو واضح المعالم، ظهرت فيه وجوه المعتدين بشكل جلي، وهو ما وضعهم في موقف قانوني حرج.
وبمجرد علمهم بوجود هذا التوثيق، تحولت المنطقة المختلطة إلى ما يشبه ساحة مطاردة، حيث شرع بعض الصحافيين الجزائريين في تفتيش زملائهم المغاربة، والاطلاع بالقوة على بطاقات اعتمادهم ولمس معداتهم، بحثا عن صاحب الفيديو.
ووصف شهود عيان هذه التصرفات بالهمجية، مشيرين إلى أن عددا من الصحافيين المغاربة تعرضوا للسب والقذف والترهيب، ما اضطر المصور الذي وثق الواقعة إلى مغادرة المكان عبر أحد المخارج بمساعدة زملائه، تفاديا لتصعيد أخطر.
تدخل أمني وادعاءات مضللة
أمام هذا الانفلات، تدخلت المصالح الأمنية بشكل هادئ وسلس، حيث جرى تطويق المنطقة ومنع خروج جميع المتواجدين فيها، مغاربة وجزائريين ونيجيريين، كإجراء روتيني يهدف إلى تحديد المتورطين وضمان سلامة الجميع، غير أن بعض الصحافيين الجزائريين استغلوا الوضع للترويج لادعاءات الاحتجاز من طرف الأمن المغربي، في محاولة لكسب تعاطف الرأي العام.
وأكدت شهادات من عين المكان أن هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة، إذ إن الإجراء شمل جميع الصحافيين دون تمييز، إلى حين استكمال المعاينة الأولية، بل إن أحد المسؤولين الأمنيين خاطب أفراد البعثة الجزائرية بوضوح، مؤكدا أن هناك شخصا تعرض للضرب وينوي تقديم شكاية، وأن القانون سيطبق في حال عدم التنازل.
اعتقال ثم صلح بروح مهنية
وتم توقيف مصور جزائري ظهر في الفيديو وهو يعتدي بالركل على أحد الصحافيين المغاربة، قبل اقتياده إلى المكتب الأمني داخل الملعب. وبفعل خطورة الأدلة المصورة، أحيل الملف على الجهات القضائية المختصة، حيث بلغت القضية مكتب الوكيل العام للملك.
وفي تطور لاحق، وبروح من المسؤولية وحسن النية التي طبعت موقف الجسم الصحافي المغربي، جرت وساطات أفضت إلى تقديم اعتذار رسمي من طرف المعتدي، ليقرر الصحافي المغربي المتضرر التنازل عن الشكاية، ما أسفر عن طي الملف بالصلح وإغلاق المتابعة القضائية للسماخ للمصور باللحاق بمنتخب بلاده للعودة أدراجه بعد مغادرة الجزائر لأطوار البطولة.
واقعة تسيء للمهنة
وخلفت هذه الأحداث استياء واسعا في الأوساط الإعلامية، خاصة لدى صحافيين جزائريين عبروا عن أسفهم لما صدر عن بعض زملائهم، مؤكدين أن ما وقع يسيء إلى صورة الصحافة الرياضية وأخلاقياتها، ولا يعكس القيم الحقيقية للعمل الإعلامي ولا روح التنافس الرياضي الشريف.
وتعيد هذه الواقعة إلى الواجهة ضرورة التشديد على احترام أخلاقيات المهنة، وضمان الكاف لسلامة الصحافيين داخل المنشآت الرياضية، خاصة في تظاهرات كبرى تحتضنها المملكة المغربية، التي أثبتت مرة أخرى قدرتها التنظيمية العالية، وحرصها على حماية جميع ضيوفها، مهما كانت جنسياتهم رغم الكيد والحقد الدفين لدى بعض الوافدين.