استعاد الكاتب والمؤلف لحسن لعروسي صفحات مؤلمة من تاريخ الدار البيضاء، موضحًا أن احتلال المدينة سنة 1907 لم يكن حدثًا عابرًا ولا قرارًا عسكريًا معزولًا، بل نتيجة موقعها الاستراتيجي الذي جعلها حلقة وصل حيوية بين شمال المغرب وجنوبه، وبوابة أساسية على المحيط الأطلسي، ما سهّل على القوى الاستعمارية التحكم في الإمدادات العسكرية واللوجستية القادمة من أوروبا.
وأوضح لعروسي أن قرب الدار البيضاء من مناطق الشاوية الغنية بالحبوب والثروة الحيوانية جعلها مركزًا اقتصاديًا مغريًا للاستعمار الفرنسي، الذي سعى إلى السيطرة عليها لتأمين تصدير الموارد نحو الخارج. وبعد احتلال المدينة القديمة، اندلعت مقاومة قبلية شرسة قادتها قبائل الشاوية، تكبّد خلالها الفرنسيون خسائر مهمة.
وأضاف أن السلطات الاستعمارية، بعدما أدركت صعوبة المواجهة البرية، لجأت إلى القوة البحرية، حيث استُدعيت بوارج حربية من طنجة، من بينها البارجة الشهيرة التي رست قبالة السقالة، وشرعت في قصف المدينة القديمة من عرض البحر. ورغم محدودية مدى مدافع السقالة آنذاك، فإن القصف البحري كان كاسحًا ومدمرًا.
وأشار لعروسي إلى أن الفرنسيين، وقبل الشروع في تدمير المدينة، استدعوا مولاي الأمين، خليفة السلطان آنذاك، وطلبوا منه إخراج السكان تفاديًا لسقوط ضحايا مدنيين. وبالفعل، تم إبلاغ السكان عبر “البراح”، وغادر عدد كبير منهم، غير أن بعض المقاومين من القبائل ظلوا متحصنين بأسلحتهم التقليدية، التي لم تكن قادرة على مجاراة القنابل والمدفعية الحديثة، ما أدى إلى إحراق المدينة القديمة بالكامل.
وفي حديثه عن “السور الجديد”، أوضح لعروسي أن تسميته جاءت تمييزًا له عن السور القديم الذي كان يحيط بالمدينة قبل التدمير، مشيرًا إلى أن هذا المعلم التاريخي يرتبط هو الآخر بذاكرة القصف والوعود المنكوثة، في إشارة إلى تسميات بعض الأزقة التي ارتبطت، حسب روايات متداولة، بالتنكر للعهود التي قُطعت آنذاك.
وانتقل الكاتب إلى الحاضر، معبرًا عن قلقه العميق إزاء الوضعية الحالية للمدينة القديمة، واصفًا إياها بـ”الكارثة الحقيقية”، في ظل هشاشة البنايات، وغياب ترميم جدي يحفظ الأرواح والذاكرة. وأكد أن عائلته ما تزال تتوفر على منزل قديم مكون من ثلاث طبقات، لا يوشك على الانهيار لكنه يحتاج إلى ترميم عاجل.
وشدد لعروسي على ضرورة التمييز بين البيوت الآيلة للسقوط التي يجب إخلاؤها أو هدمها تفاديًا للفواجع، وتلك التي يمكن ترميمها وصونها. واستحضر في هذا السياق حوادث مأساوية شهدتها بعض الأزقة، حيث أدى انهيار المنازل إلى وفاة سكانها، معتبرًا أن التأخر في المعالجة سيؤدي إلى كوارث أكبر.
وتطرق المتحدث إلى الإشكال الاجتماعي المرتبط بالسكان، مميزًا بين المالكين الأصليين الذين ورثوا البيوت عن أجدادهم، وبين سكان وفدوا لاحقًا بعد موجات الهجرة القروية، خاصة عقب رحيل اليهود والأجانب، واستقرار مكتري البيوت. وطرح تساؤلات حارقة حول مصير هؤلاء السكان في حال الإفراغ، وحول التعويض والسكن البديل، في ظل غياب رؤية واضحة.
وأكد لعروسي أن من غير المقبول، قانونًا أو شرعًا، أن يتحول المكتري إلى مالك لمجرد إقامته لبضع سنوات، مشددًا على أن حق الملكية يجب أن يُصان لأصحابه الشرعيين، بينما يبقى تدبير أوضاع باقي السكان مسؤولية الدولة وسلطاتها.
وختم لحسن لعروسي حديثه باستحضار ذكريات شخصية مؤلمة من الحرب العالمية الثانية، حين كانت الدار البيضاء مسرحًا لهجوم أمريكي بسبب الاحتلال الفرنسي. واستعاد مشاهد الطوارئ، وإطفاء الأضواء ليلاً، وصوت صفارات الإنذار، ولحظات الرعب التي دفعت عائلات كثيرة إلى مغادرة المدينة نحو الجديدة وسطات وبوسكورة، مؤكدًا أن ذاكرة الحرب والدمار لا تنفصل عن ذاكرة المدينة القديمة، ولا يمكن التعامل معها بمنطق الإهمال أو النسيان.