كيف عرّى وثائقي تلفزيوني هشاشة النظام الجزائري وأسقط ورقة التوت عن “القوة الضاربة”؟
أصدرت وزارة الخارجية الجزائرية بيانا، تجاوزت فيه كل الأعراف الدبلوماسية الرصينة، لمجرد بث قناة فرنسية فيلما وثائقيا، هذا البيان، الذي جاء مشحونا بعبارات التخوين والمؤامرة، لم ينجح في الدفاع عن صورة الدولة بقدر ما فضح هشاشتها وخوفها من أي صوت إعلامي يكشف المستور.
استدعت الخارجية الجزائرية القائم بأعمال السفارة الفرنسية، لا لمناقشة قضايا جيوسياسية كبرى أو أزمات حدودية، بل للاحتجاج على برنامج بثته قناة “فرانس 2″، مما يكشف يكشف عن دولة لا تملك المناعة الكافية لتحمل النقد الإعلامي، وتتعامل مع القنوات التلفزيونية الأجنبية بمنطق “الوصاية” الذي تفرضه على إعلامها الداخلي.
وسقط محرر البيان حسب متتبعين للشأن السياسي، في فخ “الإسقاط النفسي”، حين اعتبر في فقرته الأولى أن ما بثته القناة لا يمكن أن يتم “لولا تواطؤ أو موافقة الجهات العمومية الفرنسية”، وهنا يظهر العقل الأمني للنظام الجزائري الذي لا يستوعب مفهوم استقلالية الإعلام في الدول الديمقراطية، معتقداً أن كل شاردة وواردة في الإعلام الفرنسي تخرج بختم من قصر الإليزيه، تماماً كما تخرج نشرات الثامنة في التلفزيون الجزائري بأوامر من الثكنات.
ولعل أخطر ما ورد في البيان هو الهجوم الشخصي المباشر على السفير الفرنسي بالجزائر، متهماً إياه بـ”المساهمة في تنشيط الحملة المسيئة”. هذا الانزلاق الخطير نحو شخصنة الخلافات يعكس إفلاساً دبلوماسياً واضحاً، حيث تحولت لغة الخطاب الرسمي من لغة الدول إلى لغة “المناكفات” التي لا تليق بمؤسسات سيادية.
إن اتهام سفير دولة أجنبية بالتورط في حملة إعلامية دون تقديم أدلة ملموسة، والحديث عن “ممارسات تتعارض مع مهامه”، يظهر النظام الجزائري في مظهر “المرتبك” الذي يبحث عن شماعة لتعليق إخفاقاته الداخلية، وعن عدو خارجي وهمي لتجييش الشارع وتوحيده خلف قيادة فاقدة للشرعية الشعبية.
ويكرر البيان في فقرته الثالثة الأسطوانة المشروخة حول “الأوساط الرسمية الفرنسية المعادية للجزائر” ومحاولات “الإبقاء على العلاقات في حالة تأزم دائم”، هذه الدعاية الكلاسيكية لم تعد تنطلي على أحد؛ فهي محاولة بائسة للهروب إلى الأمام. فبدلاً من الرد بالحجة والبرهان على ما ورد في “الوثائقي” – إن كان كاذباً كما يدعون – اختارت الدولة الاحتماء خلف جدار “السيادة المستباحة” و”المؤامرات الكونية”.
إن الدولة القوية والواثقة من مؤسساتها وشرعيتها لا تهتز لفيلم وثائقي، ولا تستنفر جهازها الدبلوماسي لبيان إنشائي مليء بالتهديدات الجوفاء، فما حدث هو اعتراف ضمني بأن محتوى الفيلم قد لامس جراحاً حقيقية وحقائق يخشى النظام تعريتها أمام الرأي العام.
بيان وزارة الخارجية الجزائرية هو وثيقة إدانة للنظام نفسه قبل أن يكون إدانة لفرنسا، فهو يؤكد أن “الجزائر الجديدة” التي يروج لها الإعلام الرسمي ليست سوى هيكل هش يرتعد من “ريموت كونترول”، وأن العقدة التاريخية تجاه فرنسا لا تزال المحرك الأساسي لسياسات نظام يعجز عن بناء علاقات دولية سوية، ويستعيض عن الإنجازات الحقيقية بمعارك طواحين الهواء الدبلوماسية.