بينما تعيش مدينة القصر الكبير حالة تأهب قصوى إثر ارتفاع منسوب وادي اللوكوس بفعل التساقطات المطرية الاستثنائية، تعود إلى الواجهة مفارقة مؤلمة: فيضانات تهدد المدن الشمالية بينما سدود الجنوب تعاني العطش.
منذ صباح أول أمس الأربعاء، تحولت القصر الكبير إلى ورشة طوارئ مفتوحة. فرق السلطات المحلية والإقليمية، بإشراف مباشر من عامل إقليم العرائش العالمين بوعاصم، انتشرت على ضفاف وادي اللوكوس لوضع حواجز رملية أمام المنازل المهددة.
السبب؟ سد وادي المخازن بلغ طاقته القصوى 100%، وصار مضطراً لتصريف فائض المياه، في وقت سجل فيه الإقليم تساقطات تجاوز معدلها التراكمي 600 ملم منذ شتنبر الماضي، وفق محمد عبد الله الزويني، مدير وكالة الحوض المائي اللوكوس.
“نبرمج طلقات للمياه لخفض حقينة السد وتمكينه من استقبال موارد مائية إضافية”، يوضح الزويني، مشيراً إلى أن عملية التصريف تتم تحت إشراف لجنة اليقظة لتفادي كارثة بيئية.
بينما تتأهب القصر الكبير لمواجهة الفيضان، يطفو على السطح سؤال محرج: لماذا لا تُنقل هذه المياه الفائضة إلى مناطق تعطش للقطرة الواحدة؟
عمر الحياني، المستشار الجماعي عن حزب فيدرالية اليسار الديموقراطي، لم يخف تحسره في تدوينة أثارت جدلاً واسعاً: “لو كان مشروع الطرق السيارة للماء قد أُنجز، لكنا ننقل اليوم فائض اللوكوس وسبو إلى سد المسيرة الذي لا يتجاوز ملؤه 14%”.
يعود الحياني بالذاكرة إلى سنة 2010، حين كانت ميزانية مشروع الطرق السيارة للماء المقدرة بـ30 مليار درهم تعادل تقريباً كلفة مشروع القطار السريع بين طنجة والقنيطرة.
“الدولة اختارت أولوية القطار السريع، وتم التخلي عن مشروع الطرق المائية”، يقول الحياني، مذكراً بأن الأزمة الكبرى للجفاف في 2022-2023 أجبرت السلطات على إنجاز قناة الربط بين حوض سبو وسد سيدي محمد بن عبد الله في وقت قياسي “لإنقاذ الوضع في آخر لحظة”.
كان المشروع يهدف لربط الأحواض المائية، ونقل المياه من الأحواض ذات الفائض (سبو واللوكوس) إلى أحواض تعاني الخصاص (أبو رقراق، أم الربيع وتانسيفت).
على أرض الواقع، تواصل السلطات المحلية تعبئة جميع الموارد. محمد زعيم، المدير الإقليمي للشركة الجهوية متعددة الخدمات، أكد تعبئة مضخات إضافية لمنع رجوع المياه العادمة إلى المنازل، وتجهيز المناطق المعرضة للخطر.
السكان من جهتهم ثمنوا “التعبئة المتواصلة للسلطات”، لكن السؤال يبقى معلقاً: إلى متى ستظل الحلول آنية ومؤقتة؟
ما يحدث اليوم في القصر الكبير، وما يمكن أن يتكرر في مدن أخرى، يطرح أسئلة جوهرية حول أولويات التنمية وحسابات الجدوى الاقتصادية على المدى البعيد.
فبينما يُنقذ القطار السريع الوقت في التنقلات، كان بإمكان “الطريق السيار المائي” أن ينقذ مدناً من الفيضانات وأخرى من الجفاف.
“نؤدي اليوم ثمن اختيارات الأمس غالياً”، يختم الحياني تدوينته بدعاء: “اللهم احفظ أهلنا من كل مكروه”.