الرئيسية / ثقافة و فن / "يا داك الإنسان.. فين غادي؟".. اليوم أجابنا بلخياط بالرحيل إلى دار البقاء

"يا داك الإنسان.. فين غادي؟".. اليوم أجابنا بلخياط بالرحيل إلى دار البقاء

عبد الهادي بلخياط
ثقافة و فن
فريد أزركي 30 يناير 2026 - 23:13
A+ / A-

الوداع.. هي الكلمة التي تأتي دائماً في غير موعدها. تأتي ثقيلة، باردة، كأنها رصاصة الرحمة التي تنهي فصلا من فصول العشق الطويل. الحاج عبد الهادي بلخياط، انتقل إلى عفو الله،  صوت لم يكن عابرا في ذاكرة الأغنية المغربية؛ بل كان هرمها الشامخ، ووترها الذي لا يصدأ، وقمراً أحمر أضاء ليالي جيل بأكمله.

في فاس، حيث تتنفس الجدران عبق الملحون والإنشاد، وُلدت الحكاية عام 1940. حكاية فنان حمل في حنجرته مشروع وطن، مشروع طرب أصيل لم يساوم على هويته. كان صوته جسراً يربط بين الماضي العريق والحاضر المتوهج. صوت يمتلك القدرة على أن يجمع في نبرته الواحدة عذوبة “الشاطئ” وقوة “المنفس”.

تلك الأغنية التي دندنها الملايين، أضحت نبوءة اليوم، وصل القطار إلى محطته النهائية. نزل الركاب، وغادر السائق، وبقيت التذكرة محفورة في وجدان أمة بأكملها. رحل من سأل يوماً: “يا ذاك الإنسان.. فين غادي؟”.. وها هو اليوم يجيبنا بالرحيل، ماضياً إلى رحمة ربه، تاركا خلفه صدى صوته يتردد بين جدران القلوب.

لكن القصة ليست قصة صعود ونجومية فحسب. القصة هي قصة اختيار، قصة فنان وصل إلى القمة، ثم قرر أن يتركها خلفه. فجأة، ودون سابق إنذار، أدار ظهره للأضواء، لـ “يا بنت المدينة” الصاخبة، واختار طريقاً آخر. طريقاً أكثر هدوءاً، أكثر روحانية.

هنا يكمن عنف الوداع الحقيقي: أن تختار أنت النهاية، أن تختار أنت الصمت، بينما لا يزال الجمهور يصرخ باسمك. هي لحظة فلسفية بامتياز؛ أن يغادر الفنان مسرحه وهو في أوج مجده، ليتحول من مغنٍ للحب إلى منشد للروح. من “القمر الأحمر” الذي يسهر مع العشاق، إلى نور الهداية الذي يضيء دروب السالكين.

كانت حياته فصلاً من التضاد البليغ: بين بياض الشهرة وسواد الاعتزال. بين ضجيج الحفلات وسكينة الزوايا. لكن في كلتا الحالتين، كان بلخياط هو الحقيقة المطلقة التي لا تقبل أنصاف الحلول. لم يكن فنانا درويشاً بالمعنى الحرفي، بل كان فيلسوفاً أدرك أن للكلمة وزناً، وللصوت رسالة أعمق من مجرد الطرب.

واليوم، وقد سكن الصوت، ونام الوتر، وتوقفت السيمفونية، لا يبقى لنا سوى الذاكرة. تلك الذاكرة التي ستستدعي “ميعاد” أغانيه في كل مرة يمر فيها طيفه. الذاكرة التي ترفض أن تسلم بأن أهرام الأغنية يمكن أن تنهار.

فلتنم يا حاج عبد الهادي قرير العين، فقد أديت رسالتك كاملة، تركت خلفك إرثا لا يمحوه الزمن، ودرسا في أن الاعتزال ليس نهاية، بل هو تحول إلى الخلود. لأن الأساطير لا تموت، هي فقط تغير عنوانها من مسرح الحياة إلى سجل التاريخ.

السمات ذات صلة

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة